فقال الثالث: كانت لى ابنة عم جهدها الجوع وأذلها الحرمان وهى أرملة ولها أطفال يتضورون جوعا وكانت تضع الحصى فى القدر وتصب عليه الماء وتضعه على النار لتوهم أطفالها بوجود الطعام وتسكتهم حتى يغلبهم النوم. وضاق بها الحال فطلبت منى مالا فقلت لها: إن مكنتينى من نفسك أعطيتك، وإلا فلا أعطيك شيئا، فصدت عنى لعفتها وذهبت، ثم أتت ثانية وثالثة تستعطفنى بجوع أولادها وحرمانهم وأنا أطلبها وأراودها عن نفسها فاستسلمت مضطرة بقهر الجوع فقعدت منها مقعد الرجل من المرأة ثم استحييت من الله وندمت على ذلك وتركتها وقاسمتها مالى، فاللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك الكريم فأزل عنا هذه الصخرة، فتزحزحت الصخرة وانفتح باب الغار وخرجوا آمنين فرحين. والمعلوم أن هؤلاء القوم من الإسرائيليين وقد توسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة فى مرتبة الإسلام إذ كانت الأعمال بدنية. (1) __________ (1) لم يختلف أحد من المسلمين فى مشروعية التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، فمن صام أو صلى أو قرأ القرآن أو تصدق فإنه يتوسل بصيامه وصلاته وصدقته بل هو أرجى فى القبول وأعظم فى نيل المطلوب لا يختلف فى ذلك اثنان، والدليل هذا الحديث الذى ذكره المصنف - رضى الله عنه - وهذا النوع من التوسل قد فصله وبين أدلته وحقق مسائله ابن تيمية فى رسالته (قاعدة جليلة فى التوسل والوسيلة)
انظر (مفاهيم يجب أن تصحح) للمالكى ص 60.