ولما كان العمل يطلب الأجر بذاته ويعود ذلك على العامل. وأداء الرسائل عمل من المؤدى لأن المرسل استعمله فى أداء رسالته لمن أرسله إليه، وجب أجره عليه لأن المرسل إليه ما استعمله حتى يجب عليه أجره. ولهذا قالت الرسل لأممها عن أمر الله تعالى تعريفا للأمم بما هو الأمر عليه: {ويا قوم لا أسألكم عليه ما لا إن أجرى إلا على الله} (1) فذكروا استحقاق الأجر على من استعملهم ولم يقولوا ذلك إلا عن أمره. فإنه قال لكل رسول:- {قل ما اسألكم عليه من أجر} (2). واختص الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بفضيلة لم ينلها غيره. عاد فضلها على أمته. ورجع حكمه صلى الله عليه وسلم إلى حكم الرسل قبله فى إبقاء أجره على الله. فأمره الحق أن يأخذ أجره الذى له على رسالته من أمته وهو: أن يودوا قرابته. فقال له: - {قل لا أسألكم عليه أجرا} (3) أى على تبليغ ما جئت به إليكم إلا {المودة فى القربى} فتعين على أمته أداء ما أوجب الله عليهم من أجر التبليغ. فوجب عليهم حب قرابته صلى الله عليه وسلم وأهل بيته. وجعله بإسم المودة وهو الثبوت بالمحبة. فلما جعل له ذلك ولم يقل أنه ليس له أجر على الله ولا أنه بقى له أجر على الله، وذلك ليجدد له النعم بتعريفه ما يسر به. فقيل له بعد هذا قل لأمتك أمرا ما قاله رسول لأمته {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله} (4) فما اسقط الأجر عن أمته فى مودتهم للقربى وإنما رد لك الأجر بعد تعيينه عليهم فعاد ذلك الأجر الذى كان يستحقه رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه فيعود فضل المودة على أهل المودة. فما يدرى أحد ما لأهل المودة فى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأجر إلا الله تعالى. {فصل فى مرتبة الإنسان الكامل} __________ (1) هود / 29 (2) الفرقان / 57 (3) الشورى / 43 (4) سبأ / 47