تبرئة الذمة المحقق 3 الجزء الثالث كامل

الصفحة 205

ثم قال وبعد أن تبين لك منزلة أهل البيت عند الله وأنه لا ينبغى لمسلم أن يذمهم بما وقع منهم أصلا. فإن الله طهرهم. فليعلم الذام لهم أن ذلك راجع إليه ولو ظلموه. فذلك الظلم هو فى زعمه ظلم لا فى نفس الأمر وإن حكم عليه ظاهر الشرع بأدائه. بل حكم ظلمهم إيانا فى نفس الأمر يشبه جرى المقادير علينا وعلى من جرت عليه فى ماله ونفسه بغرق أو بحرق أو غير ذلك من الأمور المهلكة. فيحترق أو يموت له أحد أحبائه أو يصاب فى نفسه، وهذا كله مما لا يوافق غرضه، ولا يجوز له أن يذم قدر الله ولا قضاءه، بل عليه أن يقابل ذلك كله بالتسليم والرضى. وإن نزل عن هذه المرتبة فبالصبر، وإن ارتفع عن هذه المرتبة فبالشكر. فإن فى طى ذلك نعما من الله لهذا المصاب (1) وليس وراء ما ذكرناه خير، فإن ما وراءه ليس إلا الضجر (2) والسخط وعدم الرضى وسوء الأدب مع الله. فكذا ينبغى أن يقابل المسلم جميع ما يطرأ عليه من أهل البيت فى ماله، ونفسه، وعرضه، وأهله، وذويه. فيقابل ذلك كله بالرضى والتسليم والصبر ولا يلحق المذمة بهم أصلا، وإن توجهت عليهم الأحكام المقررة شرعا. فذلك لا يقدح (3) فى هذا بل يجريه مجرى المقادير وإنما منعنا تعليق الذم بهم، إذ ميزهم الله عنا، بما ليس لنا معهم فيه قدم. وأما أداء الحقوق المشروعة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقترض من اليهود وإذا طالبوه بحقوقهم أداها على أحسن ما يمكن. وإذا تطاول اليهودى عليه بالقول يقول: دعوه إن لصاحب الحق مقالا. (4) __________ (1) المسلم يؤمن إيمانا قاطعا بقضاء الله وقدره، لأنه تعالى عدل فى قضائه، حكيم فى تدبيره لقوله تعالى {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} التغابن / 11 (2) الضجر: الضيق والتبرم. (3) لا يقدح: لا يعيب. (4) البخارى 3/ 130، 153، 155، 211، الترمذى / 1317، أحمد 2/ 416، 6/ 268