وكان نزول عيسى عليه السلام فى آخر الزمان، حاكما بغير شرعه، أو بعضه الذى كان عليه فى زمان رسالته، وحكمه بالشرع المحمدى المقرر حينذاك، دليلا على أنه لا حكم لأحد فى ذلك الحين من الأنبياء عليهم السلام، مع وجود ما قرره صلى الله عليه وسلم فى شرعه. ويدخل فى ذلك ما هم عليه أهل الذمة من أهل الكتاب (1) ما داموا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. فخرج من هذا الموضوع كله أنه ملك وسيد على جميع بنى آدم، وأن جميع من تقدمه كان ملكا له وتبعا، والحاكمون فيه نواب عنه صلى الله عليه وسلم. فان قيل قد ورد عنه صلى الله عليه وسلم “ لا تفضلونى “ (2). فالجواب: - نحن ما فضلناه، بل الله فضله، فإن ذلك ليس لنا، وإن كان قد ورد: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} (3) لما ذكر الأنبياء عليهم السلام فهو صحيح. فإنه قال فبهداهم، وهداهم من الله وهو شرعه صلى الله عليه وسلم. أى إلزم شرعك الذى ظهر به نوابك؟ من إقامة الدين وعدم التفرق فيه. ولم يقل فبهم اقتده. وفى قوله تعالى {ولا تتفرقوا} (4) فيه دليل أحدية الشرائع. وقال {اتبع ملة إبراهيم} (5) وهو الدين. فهو مأمور بإتباع الدين. فإن الدين إنما هو من الله لا من غيره. __________ (1) أهل الذمة: هم المعاهدون من أهل الكتاب ومن جرى مجراهم. وحفظ الإسلام لهؤلاء: أعراضهم، وأموالهم، ولهم حق التعليم، والعمل، وحق الجوار، نظير الجزية التى يدفعونها. وكل هذا من عدل الإسلام وسماحته التى لا توجد فى غيره من الأديان. (2) الحديث ورد بلفظه لا تفضلوا بين أنبياء الله وقد أخرجه البخارى 4/ 194، مسلم ك الفضائل ب 42 رقم 159 وأما لفظة لا تفضلونى فقد أخرجه ابن كثير فى (البداية) 1/ 171، 237، 312 (3) الأنعام /90 (4) آل عمران / 103 (5) النحل / 123