الثانى: هل الرؤية لذات المصطفى صلى الله عليه وسلم بجسمه وروحه، أو لمثاله؟ الذين رأيتهم من أرباب الأحوال يقولون بالثانى، وبه صرح الغزالى، فقال: ليس المراد أنه يرى بجسمه وبدنه، بل مثالا له، صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذى فى نفسه. قال: والآلة تارة تكون حقيقية، وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فمن رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى صلى الله عليه وسلم ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق. قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى فى المنام، فإن ذاته منزهه عن الشكل والصورة، ولكن تنتهى تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس، من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال حقا فى كونه واسطة فى التعريف، فيقول الرائى: رأيت الله سبحانه وتعالى فى المنام، لا يعنى أنى رأيت ذات الله كما تقول فى حق غيره، انتهى. وفصل القاضى أبو بكر بن العربى فقال: رؤية النبى صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة. ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، وهذا الذى قاله فى غاية الحسن، ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه. وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء - أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم بالخروج من قبورهم، والتصرف فى الملكوت العلوى والسفلى. وقد ألف البيهقى جزءا فى حياة الأنبياء، وقال فى دلائل النبوة : الأنبياء أحياء عند ربهم كالشهداء، وقال فى كتاب الاعتقاد: الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء.