ثم رأيت الإمام أبا الحسن الماوردى أشار إلى نحو ما ذكره الإمام فخر الدين، إلا أنه لم يصرح كتصريحه، فقال فى كتابه أعلام النبوة: لما كان أنبياء الله صفوة عباده وخيرة خلقه لما كلفهم من القيام بحقه والإرشاد لخلقه إستخلصهم من أكرم العناصر، واجتباهم بمحكم الأواصر، فلم يكن لنسبهم من قدح، ولمنصبهم من جرح، لتكون القلوب لهم أصفى، والنفوس لهم أوطا، فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع، ولأوامرهم أطوع، وأن الله استخلص رسوله صلى الله عليه وسلم من أطيب المناكح، وحماه من دنس الفواحش، ونقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزهة، وقد قال ابن عباس فى تأويل قول الله: {وتقلبك فى الساجدين} أى تقلبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبياً، فكان نور النبوة ظاهرا فى آبائه، ثم لم يشركه فى ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه، وقصور نسبهما عليه. ليكون مختصا بنسب جعله الله للنبوة غاية، ولتفرده نهاية، فيزول عنه أن يشارك فيه ويماثل فيه، فلذلك مات عنه أبواه فى صغره فأما أبوه فمات وهو حمل، وأما أمه فماتت وهو ابن ست سنين، وإذا خبرت حال نسبه وعرفت طهارة مولده علمت أنه سلالة آباء كرام، ليس فى آبائه مسترذل، ولا مغموذ مستبذل، بل كلهم سادة قادة، وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة، انتهى كلام الماوردى بحروفه. وقال أبو جعفر النحاس فى معانى القرآن فى قوله: {وتقلبك فى الساجدين} روى عن ابن عباس أنه قال: تقلبه فى الظهور حتى أخرجه نبيا. وما أحسن قول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقى رحمه الله تعالى: تَنَقَّل أَحْمَدُ نُوراً عَظِيماً تَلأَلأَ فِى جِباهِ السَاجِدِينَا تَقَّلبَ فِيهِمُ قَرناً فَقَرناً إِلى أَنْ جَاءَ خَيرُ المُرسَلِينَا وقال أيضا: