تبرئة الذمة المحقق 1 الجزء الأول كامل

الصفحة 98

من ذلك ما روى عن الشيخ الكبير العارف بالله تعالى أبى عبد الله محمد بن أحمد البلخى رضى الله تعالى عنه، قال: سافرت من بلخ إلى بغداد وأنا شاب لأرى الشيخ عبد القادر رضى الله عنه، فوافيته يصلى العصر بمدرسته، وما كنت رأيته ولا رآنى قبل ذلك، فلما سلم وهرع الناس للسلام عليه، تقدمت إليه وصافحته، فأمسك بيدى ونظر إلىَّ مبتسما وقال: مرحبا بك يا بلخى، يا محمد قد رأى الله سبحانه مكانك وعلم نيتك. قال: فكأن كلامه كان (دواء الجرح، وشفاء العليل) (1) فذرفت عيناى خشية، وارتعدت فرائصى هيبة، ونفضت أحشائى شوقا ومحبة، وأوحشت نفسى من الخلق، ووجدت فى قلبى أمراً لا أحسن أعبر عنه، ثم مازال ذلك ينمو ويقوى وأنا أغالبه، فلما كان ذات ليلة، قمت إلى وردى، وكانت ليلة مظلمة، فبرز لى من قلبى شخصان، بيد أحدهما كأس، وبيد الآخر خلعة، فقال لى صاحب الخلعة: أنا على بن أبى طالب، وهذا أحد الملائكة المقربين، وهذا كأس شراب المحبة، وهذه خلعة من حلل الرضا، ثم ألبسنى تلك الخلعة، وناولنى صاحب الكأس، فأضاء بنوره المشرق و المغرب، فلما شربته، كشف لى عن أسرار الغيوب، ومقامات أولياء الله تعالى، وغير ذلك من العجائب، فكان مما رأيت مقاما تزل أقدام العقول فى سره، وتضل أفهام الأفكار فى جلاله، وتخضع رقاب الأولياء لهيبته وتذهل أسرار السرائر فى بهائه، وتدهش أبصار البصائر لأشعة أنواره، لاتسامته (2) __________ (1) ما بين () من نشر المحاسن الغالية والذى فى الأصل: دواء لجرح وشفاء لعليل. (2) قوله: لاتسامته طائفة الملائكة الكروبيين .... الخ. يعنى لاتتجه إليه وتقصده .. قال صاحب اللسان: وسمت تسمُت [بالضم] أى قصد نحوه، وفى حديث عمر رضى الله عنه فينظرون إلى سمته وهديه ا هـ لسان / سمت