وجملة تفصيل ذلك وعماد أمره هو التخلق بالأخلاق الإلهية والسلوك فى الحقائق على المنهج الموصل إلى إعطاء كل ذى حق حقه. واعلم أن الأخلاق تتفرع إلى نوعين. أحدهما أخلاق إلهية ليس للكسب فيها مدخل. بل حصول ذلك، لا يكون إلا بمحض العناية الإلهية لمن سبقت السعادة عند الله تعالى له. ثانيهما أخلاق كونية، وهى المعبر عنها بمكارم الأخلاق. وهذا النوع للكسب فيه مدخل. فيحصل بالكسب لمن وهبه الله. ذلك فى الأزل. فإن الصورة الحاصلة بالمكاسب ترجع إلى المواهب. وهذا النوع الثانى على ضربين: الضرب الأول هو ما يختص بالإنسان كالتقوى وعلو الهمة وشرف النفس واليقين والعقيدة الحسنة فى الله تعالى وفى أنبيائه وأوليائه، والصبر والعفة والحياء وأمثال ذلك من الفضائل بالإنسان. والضرب الثانى هو ما يعم غيره، كالحلم والكرم وحسن الخلق ووسع الصدر والهداية والخدمة، إلى غير ذلك من الأوصاف المتعدية من الموصوف إلى غيره. وهذا القسم عين التبعية الصورية، لأن الروح يوم القيامة تحشر على حسن صورة الأخلاق. والجسم يحشر على حسن صورة الأعمال لا الأخلاق. فالأهم طلب حسن صورة الروح، لأن حسن صورة الجسد تابع للروح. ألا ترى إلى الطاووس، هل نفع حسن صورة جسمه مع الإنسان؟ وهل يضر الإنسان لو خلق أشوه الخلق وروحه حسنة الصورة فى الباطن؟ كلا. ولهذا كان الإنسان أشرف من سائر الحيوانات، لأن المعتبر فى ذلك صورة الروح. فهل الإتباع المعنوى بمكارم الأخلاق أفضل وأشرف من جميع أهل الإتباع الصورى؟ وسوف نفصل ذلك أيضاً إن شاء الله. (الفصل الثانى) فى ذكر الإقتداء به صلى الله عليه وسلم فى الأعمال واقتفاء آثاره فى سائر الأفعال والوقوف مع ما ورد عنه من الأقوال للبلوغ إلى أعلى رتب الكمال. اعلم أيدنا الله وإياك، ولا أخلانا عنه ولا أخلاك، أن الاقتداء الصورى أمر كلى، وممر الكل عليه. وأهل هذا الاقتداء على ثلاثة أنواع: