ولهذا المعنى منزلة صورية فى الجنة المسماة بالفردوس الأعلى، وهى أرفع منازل الجنان، يكون هو صلى الله عليه وسلم فيها، ليحوى الكمال صورة ومعنى ظاهراً وباطناً كما سبق بيانه فى أوائل هذه الرسالة. فلما كان صلى الله عليه وسلم واسطة الجميع فى البداية لأجل الظهور، كان واسطتهم فىلنهاية لأجل النعيم المقيم. فليس فى الأزل والأبد وسيلة ولاواسطة، ولا علة لوجودك ووجود كل خير لك ولكل موجود أحد سواه صلى الله عليه وسلم. فمن الأولى أن تتعلق بجنابه، وتعتكف على بابه ليحصل الميل من الجهتين، فيسرع الوصول إلى المقصود. ألا تراه صلى الله عليه وسلم قال للأعرابى الذى تمنى عليه أن يكون رفيقه فى الجنة. أعنى على نفسك بكثرة السجود 2. فقوله صلى الله عليه وسلم " أعنى " دليل على أنه أحب أن يشفع له إلى الله تعالى أن يكون رفيقه فى الجنة. ولكنه أراد أن يكون الجذب من الجهتين ليسرع وصوله إلى ذلك. فأمره أن يعينه على نفسه بالسجود، ليتحقق بالمقصود أكمل تحقق، ولهذا كان دأب الكمل من الأولياء رضوان الله عليهم، أن يتعلقوا بجنابه، ويحطوا جباههم على بابه صلى الله عليه وسلم، ولم يزل ذلك دأبهم ودأب كل من أراد الله تكميله، حتى إنهم رضى الله عنهم، إذا حضروا فى بعض الحضرات الإلهية، التى يمكنهم ألا ينظروا فيها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، أسرعوا إلى توجيه المشاهدة إلى الأنوار الإلهية، نحو الجناب المحمدى، وصرفوا إليه كلمة الحضرة الإلهية، وذهلوا عن كل ما تقتضيه حقائقهم من الكمالات الإلهية، تأدبا معه صلى الله عليه وسلم، فيحصل لهم ببركة هذه الحالة، من الزيادة ما لا يمكن شرحه، وذلك أنهم يسمعون ويشهدون حينئذ بالسمع والبصر المحمدى ما هو مناسب للقابلية المحمدية التى ليس فى ذات أحد قوتها. فيخلع عليهم إذ ذاك من الخلع المحمدية، مالا يمكن حصولها إلا بهذه الطريقة. ـــــــــــــــــــــــــ