وهذا آخر مقامات الخلق فيه، فيصير المحب فى هذا المقام حبيباً والحبيب محباً، فيتلون كل منهما بصورة الآخر. وذلك أن العاشق قد تمكنت روحه بصورة المعشوق، فتعلقت بتلك الصورة الروحانية تعلق التمازج، كما يتعلق الزاج بالعفص، فيستحيل الفك والمفارقة والانفصال بينهما كما قيل: رَقَّ الزجاجُ ورَقْتِ الخَمرُ ... فَتشَابَهاَ فتشاكلَ الأمرُ فكأَنما خَمرُ ولا قدَحٌ ... وكَأنَما قَدحٌ ولاخَمرُ فهذه المراتب التسع هى للخلق حقيقة، لايقال أنها لله. إلا من حيث أن وجود الخلق لله تعالى. وأما الحب والإرادة، فهما لله تعالى حقيقة، قال الله تعالى {فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه} 1. وقال تعالى فى الحديث القدسى (لايزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه) 2.وقال تعالى: {إنما قولنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} 3 فالحق سبحانه وتعالى يحب ويريد، فالحب والإرادة من شئون الله تبارك وتعالى. وللحب مرتبة أخرى تظهر فى الحق والخلق، ولهذا تسمى الجامعة وهى مرتبة (الود)، فإن الله يسمى الودود، فهو يود من يشاء من خلقه، والخلق يودونه. فالود مرتبة مشتركة تظهر بالقدم فى القديم، وبالحدوث فى المحدث، والمودة من خصائصها الاشتراك، لوقوعها من الجانبين. ولهذا قال الله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} 4 فالمودة تكون من الجانبين، فهى اسم للمحبة إذا ظهرت من المحب والمحبوب، لأن الشئ إذا كان بين اثنين لا يختص به واحد دون الآخر. بل هما مشتركان فيه. فالود يشترك فيه كل واحد من الزوجين، فإذا صار كل منهما محباً للثانى محبوباً له، كانت المحبة والمودةبينهما ظاهرة. وهو نهاية مراتب العشق فى الظهور لأجل وقوعه من الجانبين فقط، وإلا فلا شئ فى الخلق أعلى مرتبة من ظهور العشق. إذ هو نار الله الموقدة فافهم. والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.