وإذا علمت ما سبق، علمت الجواب عن السؤال الذى أورده، وهو أن النبوة وصف، أى، معنى يقوم بالمحل. وهو كونه موحى إليه بأمر يعمل به. ولابد أن يكون الموصوف به موجوداً. وإنما يكون الوصف بالنبوة بعد بلوغ أربعين سنة، وهو شامل ليحيى وعيسى. فكيف يوصف بها رسول الله قبل وجوده فى الخارج وإرساله. وقد علمت الجواب. وإن الإشارة بحديث (كنت نبياً) إلى روحه الشريفة، وإلى حقيقة من الحقائق يعلمها الله سبحانه. فيكون للنبوة محل إذ ذاك قامت به. على أن اشتراط المحل الذى تقوم به النبوة، إنما هو فى النبوة المتعلقة بالجسد بعد ارتباط الروح به، فلا يتنافى أن إفاضة النبوة على الروح، ووصفها بها - حقيقة - جائز لعدم اشتراط المحل الذى تقوم به النبوة. وهو خارج عن هذا. ويؤخذ هذا من اقتصاره على إفاضة النبوة على روحه. إذ من لازم حصولها على الروح عدم اشتراط وجود الجسد فى الأعيان فضلاً عن بلوغ الأربعين. وبالجملة، فحقيقته سابقة على خلق آدم، فيستفاد أن نبوته مقدرة فى العلم أولاً، أى، تعلق علم الله بأنه يصير نبياً - وهذه المرتبة الأولى. ثم خلق نوره - وهذه المرتبة الثانية. ثم كتبه فى أم الكتاب - وهذه المرتبة الثالثة (والنبوة الثانية). ثم أظهره للملائكة - وهذه المرتبة الرابعة (والنبوة الثالثة). ثم أظهره للوجود - وهذه المرتبة الخامسة (والنبوة الرابعة). (1) __________ (1) هذه المراحل الأربعة من عالم الأمر، كالمراحل الأربعة التى تتم للمخلوق فى عالم الخلق: " إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ... الحديث، فإذا طابقت بين مراحل الخلق الأربعة ومراحل النبوة فهمت معنى لا يدركه إلا ذوو البصائر المدركون لمعنى قوله صلى الله عليه وسلم يا جابر أول ما خلق الله ... الحديث