فقد علم اتصاف حقيقته صلى الله عليه وسلم، بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية من أول الأمر قبل خلق كل شئ. وإنما تأخر اتصافه بالأوصاف الوجودية العينية بجسده لما وجد فى الدنيا. وبالجملة فقد أخذ الله الميثاق من النبيين وأممهم، إن أدركوا زمن المصطفى أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه على أعدائه. وأخذ منهم الميثاق أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى الخلق، وأن يصدق بعضهم بعضاً، وأن كل نبى يؤمن بمن يأتى بعده وينصره إن أدركه، ويأمر قومه بنصره. فعلى الأول مخصوص بنبينا عليه الصلاة والسلام، وعلى الثانى عام، فى جميع الأنبياء. وقد سبق لك وجه أفضليته ولو على العموم وقيل غير ذلك. وقد تقدم أن الآية: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} إلى آخر الآية -أنها فى الإقرار بالربوبية. وقيل أنها فى أخذ الميثاق من النبيين، بأن يعلنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويعلن محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لانبى بعده. ففيها تفضيل له عليه السلام من وجوه. وقيل: أخذ عليهم الميثاق بتبليغ الرسالة التى أمروا بتبليغها، وتصديق بعضهم بعضاً، وتصديق من جاء بعدهم. وقد ذكر الله فى هذه الآية النبيين جملة، ثم خص بعضاً منهم بالذكر، تشريفاً لهم. وقدم المصطفى عليهم تشريفاً له على تشريف. والتقدم بالشرف ذاتى، أو التقدم زمانى. وتقديم المصطفى للأمرين لحديث (كنت أول النبيين فى الخلق وآخرهم فى البعث) (1). __________ (1) الحديث (كنت أول النبيين فى الخلق وآخرهم فى البعث) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره وأبو نعيم فى الدلائل من طرق عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة فى تفسير قوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} - أنظر (الخصائص الكبرى) للسيوطى 1/ 7 - (المواهب اللدنية) للقسطلانى 1/ 6 ... - (الوفا بأحوال المصطفى) لابن القيم الجوزى 1/ 67