يعنى أنهم يدعون إلى شئ واحد، وهو توحيد الله، فهذا أصلهم الذى يرجعون إليه. كما أن الأب أصل للولد، والولد يرجع إليه. والمراد بالأمهات الشرائع. وشبهها بالأمهات لأن الأم تتفرع عنها الذرية. كما أن الشريعة تتفرع عنها الأحكام والفروع. وقوله: وقد طلب موسى أن يكون من أمته، فأجابه الله بما سبق، أي، فعلى تقدير أن لو كان فى زمانهم، يكون مرسلاً إليهم. ولطلب موسى من الله أن يكون من أمة أحمد، كان له بالمصطفى وبأمته مزيد اعتناء. ولذا كان هو الذى راجع المصطفى فى شأن الصلاة ليلة الإسراء. فكانت مراجعته سبباً فى التخفيف. وما ذاك إلا لمزيد تعلق قلبه بهذا النبى الكريم وأمته. فحصلت له الشفقة على الأمة كما يشفق الأخ الكبير على إخوانه الصغار. وقوله فى حديث (كنت نبياً) أنه فى عالم الأرواح - معنى غير صحيح. بل معناه هو الصحيح. ونلتزم أن حقيقته هى غير الروح. وتقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعرفها خالقها، ومن أمده الله بنور إلهى. وقوله أيضاً فى حق عيسى عليه السلام: أنه يأتى فى آخر الزمان حاكماً بشريعة المصطفى. وهو نبى كريم على حاله. هو جمع بين الغيب والنون (1). __________ (1) الغيب والنون: هو جمع بين الغيب والنون: المقصود به سيدنا عيسى عليه السلام لأنه جمع بين النبوة وبين أن يكون خاتم الولاية العامة فى أمة النبى صلى الله عليه وسلم فالغيب كناية عن إجمالى النبوة العيسوية والنون كناية عن الدواة وهو قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة - انظر تفسير مفاتيح الغيب لفخر الدين الرازى فى تفسير {ن والقلم وما يسطرون} وأيضاً كما قال القشيرى فى (لطائف الإشارات) أن النون قسم بنصرة الله تعالى لعباده المؤمنين فيكون المقصود بالنون فى القول نصرة الله ليسدنا عيسى فى قتل المسيح الدجال فى آخر الزمان.
فيكون المعنى " لأن سيدنا عيسى فى آخر الزمان سينزل لخدمة دين المصطفى صلى الله عليه وسلم يكون قد فصل الحق تعالى ما أجمله فى عالم الغيب وما اندرج من الدواة وهى النون فى اللوح المحفوظ * والجمع بين الغيب والنون جمع بين قلم القدرة ولسان التشريع وللغيب مفاتح لا يعلمها إلا هو، وللتشريع أدوات موصلة إلى القراءة والمعرفة وهى النون والقلم واللوح، ولما كان العقل مناط التكليف وجهاز المعرفة قال الله لنبيه: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون} ولما كانت أعمال المؤمنين الصالحة المتقبلة دائمة ومستمرة بدوام الحياة وكلها فى كفة حسناته قال له ربه: {وإن لك لأجراً غير ممنون} ولما كانت رسالته أعظم الرسالات ودينه أجل الديانات قال له: {وإنك لعلى خلق عظيم} وما جمع الله لنبى ولا لرسول من علوم الغيب والشهادة ما جمعه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مما حدا بالبوصيرى أن يقول له فى همزيته: لك ذات العلوم من عالم ... الغيب ومنها لآدم الأسماء كما قال مخاطباً حضرته الشريفة فى بردته: فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم