وقد عرفنا بالخبر الصحيح حصول ذلك الكمال له قبل خلق الله لآدم عليه السلام. أفاض على حقيقته النبوة فى ذلك الوقت، وأخذ له المواثيق والعهود على الأنبياء، وهى كإيمان البيعة التى تؤخذ للخلفاء، ولعلها أخذت من هنا. فانظر هذا التعظيم للمصطفى صلى الله عليه وسلم من ربه. فبان لك معنى حديث (كنت نبيا) أنه ليس بالعلم، بل بأمر زائد على ذلك، وإنما يفترق الحال فيما بعد وجود جسده إلى بلوغه الأربعين بالنسبة إلى المبعوث إليهم، وعدم تأهلهم لسماع كلامه لا بالنسبة إليه، ولا إليهم لو تأهلوا لسماعة وقبوله، (فمن وكَّل رجلا فى تزويج ابنته إذا وجد كفؤاً لها، فالوكالة صحيحة، والوكيل أهل لها، وقد توقف الأمر على وجود كفؤ، ولا يوجد إلا بعد مدة، وذلك لا يقدح فى صحة الوكالة وأهلية الوكيل.) (1) وقوله: لتؤمنن به، أى، برسالته، وقوله: أقررتم، الهمزة للاستثبات (2)، وقوله: وأخذتم على ذلكم، أى، قبلتم على ذلك المذكور. وبالجملة، فقد خص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم، بفضل لم يعطه أحدا غيره، فضله به على غيره، وهو ما ذكره فى هذه الآية. ولو على القول بالعموم - لما سبق لنا - أنه حيث أخذ العهد على غيره له، ولم يأخذ عليه لغيره. وفى - أخذ الله هذا الميثاق على جميع الأنبياء - إشارة إلى أن شريعته صلى الله عليه وسلم، ناسخة لجميع الشرائع. فيجب على كل من أدركه اتباعه. __________ (1) هذا المثل يتضمن شروط الوكالة فليرجع إليها فى كتب الفقه. (2) قوله: الهمزة للاستثبات أى لا للاستفهام فليتأمل ا. هـ.