فكيف ينكر متابعة من هم خيرة خير القرون المجزوم لهم بالعدالة والإتقان عادلاً عنهم إلى من وجدوا في أفسد وأسوأ قرون أهل الزمان، من جاءوا بعد الألف، أو من أسس لهم هذه المفاسد، بعد الثمانمائة سنة أفلا يعقلون؟ أفلا يبصرون؟ أفلا يسمعون؟ صدق الله العظيم حيث قال {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً. وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} الآية. وها هو قول ولي الدين بن خلدون! وقف التقليد في الأمصار عند الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه، لما كثر من تشعب الإصطلاحات في العلوم، ولما علق عن الوصول إلى رتبة الإجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه وصرحوا بالعجز والإعواز، ورد الناس إلى تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة، كل بما اختص به من المقلدين وحظروا أن يتداول تقليد من سواهم لما فيه من التلاعب، ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب مقلده منهم، بعد تصحيح الأصول، واتصال سندها بالرواية، ولا محصول للفقه اليوم غير هذا، ومدعي الإجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه، مهجور التقليد، وهم: (1) أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي التابعي رضي الله عنه الإمام قدوة العلماء الأعلام وشيخ مشايخ الإسلام العالم الجليل القدر الشهير الذكر المتفق على جلالته وفضله وعلمه. ترجمته واسعة أفردت بالتأليف مولده سنة 80 وتوفي ببغداد سنة 150 وله بعد المسند المخارج.. رواها أبو يوسف عنه. وله آراء جمة في جميع أضراب الدين. أخذها عنه أصحابه ومتابعوه. كأبي يوسف- ومحمد وزفر بن الهزيل- وغيرهم. حتى دون عنه جميع أصول فقه مذهب الحنفية التي انتهت بالجامع الكبير، الذي شرحه العلامة السرخسي. وانتشر مذهبه بالكوفة والشام والعراق وما وراء النهرين والروم وغيرها. وأتباعه كثيرون جداً، من كل من وفقه الله بمتابعته.