الثاني: أن جماعة من المفسرين - منهم عبدالرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك وابن جرير - حملوا الآية على الذاكر حال قراءة وأنه أمر له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن أن ترفع عنده الأصوات، ويقويه اتصالها بقوله - {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}. قلت - وكأنه لما أمر بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكون باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب باق حتى لا يغفل عن ذكر اللّه، ولذا ختم الآية بقوله {ولا تكن من الغافلين}. الثالث: ما ذكره الصوفيه أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل، وأما غيره ممن هو محل الوساوس والخواطر الرديئة فمأمور بالجهر، لأنه أشد تأثيراً في دفعه. قلت: ويؤيده من ا لحديث ما أخرجه البزار عن معاذ بن جبل قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم (من صلى منكم بالليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة تصلي بصلاته وتسمع لقراءته، وإن مؤمني الجن الذين يكونون في الهواء وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته ويسمعون قراءته وإنه ينطر بجهره بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله فسَّاق الجن ومردة الشياطين). فإن قلت - فقد قال تعالى - {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين} وقد فسر الاعتداء بالجهر في الدعاء. قلت: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الراجح في تفسيره أنه تجاوز المأمور به أو اختراع دعوة لا أصل لها في الشرع، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي نعامه رضي الله عنه أن عبداللّه بن مغفل سمع ابنه يقول: اللّهم أني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، فقال: إني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول - سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء، فهذا تفسير صحابي وهو أعلم بالمراد.