انتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان

الصفحة 173

وأما العارفون فقد فرغ لهم من قلوبهم، واجتمعت المتفرقات بمجامعها لهم، وأقامهم القائم لهم بشهادتهم له، فلهم بكل شيء مزيد، ومن كل شيء توحيد، كل خاطر بهم يردهم إليه، وكل منظور إليه يدلهم عليه، وكل نظرة وحركة طريق لهم إليه، فتوحيدهم في مزيد، ويقينهم في تجديد بغير تغيير ولا تعديد ولا ايقاف ولا تحديد. ولربما طلب أحدهم التسبب بالأسباب فيجمعه بها رب الارباب. لأنه مراد بالاجتماع وإنما استروح بالشتات لاستجمام ما هو قي قلبه آت، ثقة منه بحبيبه وتمكنا عند محبوبه. إذ قد علم أنه طالب فطرح نفسه ليحمله فحمله بما تولاه، ولم يكله إلى نفسه وهواه، فهذه مقامات لأهلها لا يعرفها سواهم، ولا تصلح إلا لهم، ولا تليق إلا بهم، ولا يقاس عليها، ولا يدعي مكانها، ولا تنتظر فتترك لها الأوراد، ولا تتوقع فيقصر لأجلها في الاجتهاد. والمرادون بها محمولون بها مواجهون بعلمها، مسلوك بهم طريقها، مزودون زادها وهي محبوسة عليهم، مقصورة لهم، فهم لها سابقون فأولياء اللّه عابدوه. وقد عكفوا بقلوبهم لمن عبدوه، ونظروا إلى معبودهم الذي عكفوا عليه، ففهموا عنه فصل الخطاب، بما آتاهم من شهادة حكمة حكم الكتاب. إذ يقول {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} بعد قوله للغافلين فصيرهم معرضاً {نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} مع قوله: {أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} إلى قوله: {فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} فعلموا أن الإخلاص الذي أمروا به هو العبادة ولا عبادة إلا بمجانية الهوى وبعدها الإنابة إلى المولى.