انتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان

الصفحة 172

قال أنس بن سيرين: كان لمحمد بن سيرين في كل ليلة سبعة أوراد، فكان إذا فاته منها شيء قضاه بالنهار فسمى العمل الموظف المؤقت ورد. وقال المعتمد بن سليمان: ذهبت ألقن أبي عند الموت فأومأ إليّ بيده دعني فإني في وردي الرابع فسمي الحزب من أحزاب القرآن لوقت ما وردا فمن العمال من كان يجعل الأوراد من أجزاء القرآن، ومنهم من كان يجعله من أعداد الركوع، وفوق هؤلاء من العلماء كانوا يجعلون الأوراد من أوقات الليل والنهار، فإن قطع الوقت بآية أو ركعة أو فكرة أو شهادة فذاك ورده. وأما العارفون فإنهم لم يوقتوا الأوراد ولم يقسموا الأوقات بل جعلوا الورد واحداً بمولاهم، وجعلوا حاجاتهم من الدنيا ضرورتهم، وصيروا الوقت متساوياً لسيدهم، وتصريفهم لمصالحهم، يدخل عليهم فوضعوا رقابهم في رق العبودية، وصفوا أقدامهم في مصاف الخدمة، فكانوا في كل وقت بحكم ما يستعملون. وبوصف ما به يطالبون، ذلك وردهم، وتلك علامتهم. عن حسن اختيار اللّه عز وجل لهم. وجميل توليه إياهم، لا يكلهم إلى نفوسهم ولا يوليهم بعضهم {وهو يتولى الصالحين} مشاهدتهم ذكرهم، وقرب الحبيب حبهم، ليس يشهدون فضيلة في غير محبوبهم، ولا يرجون قربة بغير معروفهم، به يتقربون إليه، وإليه به يسبحون له، وعليه يتوكلون له، ومنه يخافون عنه، وإياه يحبون منه، لو أسقطوا الأعمال كلها غير ما تعلق بالتوحيد ثبوته ما نقص من توحيدهم ذرة ولو تركوا أوراد المريدين كلهم ما أثر في قلوبهم بقسوة ولا فترة. لأنهم لا يزيدون بالأعمال فينقصون بها، ولا يتفقدون قلوبهم وأحوالهم بالأوراد فيعرفون النقصان والمزيد منها، ولا تجتمع قلوبهم بسبب، ولا تقوى نفوسهم بطلب، فتتشتت لفقد سبب ويضعف يقينهم لطلب هذه المعاني هي أحوال المريدين. وجملة تغييرهم في شيئين ضيقهم بالخالق فهربوا منه، واتساعهم بالخلق فاستراحوا إليه، ولو دام قربهم منه لدامت راحتهم به، ولو وقفت شهادتهم عليه لما نظروا إلى سواه.