وفي هذا البحث حاولت - مستعيناً بالله - جمع أقوال العلماء في مسألة الترخص بمسائل الخلاف ، توسطت فيه بين أقوال المنكرين على جواز الترخص مطلقاً ، وبين أقوال المفرِّطين المتساهلين الذين يأخذون المسألة على إطلاقها ، فجمعت هذه الضوابط من كلام العلماء - لاسيما المحققين منهم - على اختلاف مذاهبهم ، وذكرت بعض الآداب التي يجب على المفتي مراعاتها ، خاصة في هذا الزمن ، الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة ، فالفتوى التي تصدر في مكة مثلاً أو في القاهرة ، لا تلبث ساعات ، بل دقائق ، حتى يعلم بها ، كل مَن في أرجاء هذه المعمورة ، وما تهيجه من شرٍّ وفتنة إذا لم تكن مضبوطة بضوابط الشرع . وسطّرت في هذه الصحف بعض المباحث التي لها صلة بهذه المسألة ، فبيّنت أسباب اختلاف العلماء ، والخلاف هل هو رحمة أم لا ؟ ثم دفعت ما ظُنَّ أنه تناقض في كلام أسلافنا من الأئمة ، وذكرت الأصل الذي تفرعت منه هذه المسألة مبيناً صحة هذا الأصل أو سقمه . هذا والله تعالى أسأله أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، إنه سميع مجيب . المبحث الأول : الخلاف : أسبابه ، وبيان أنه من السنن الكونية من أعظم آيات الله عزَّ وجلَّ أن خلق الناس مختلفين في ألوانهم وألسنتهم ، وعقولهم وأفهامهم ، فقرنها الله تعالى مع عجيبة أخرى وهي خلق السموات والأرض فقال - عز وجل - : { ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين } [ الروم : 22 ] فكان من مقتضى هذه الحكمة أن يقع الخلاف بين الناس ، فهي سمة البشرية ، وسنة كونية لا تتغير ولا تتبدّل وقد صحّ عن ابن عباس (1) __________ (1) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي ، ابن عم رسول الله ش ، حبر هذه الأمة ، توفي بالطائف سنة 68 هـ . انظر ترجمته في : أسد الغابة 3 / 291 ، الأعلام 3 / 95 .