الفرقة الناجية 25 شوال

الصفحة 4

والإشكال الذي كنت أقف أمامه حائراً متعجباً ، أن ما نقلوه عن بعض الأئمة من أنه لا إنكار في مسائل المجتهدات ، وأن الخلاف خير ورحمة ، هو صحيح وثابت ، ثم أجد ما يناقضه مسطوراً في كتبهم ، فيفتون بجلد شارب النبيذ متأولاً أو مقلداً ، ويزجرون من لا يتم ركوعه وسجوده ، وينكرون على من يلعب الشطرنج وغيرها من مسائل الخلاف التي تتفاوت درجات الإنكار فيها بين الوعظ والتعزير . ولكن سرعان ما أعزو هذا العجب إلى قلَّة فهمي ومعرفتي بكلام الأئمة . ومضى على ذلك دهر ، حتى وقفت على نصٍ لإمام من أئمة الحنابلة هو ابن مفلح (1) - رحمه الله - يعجب مما عجبت منه فقال : (( ولا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه ، أو قلَّد مجتهداً فيه ، كذا ذكره القاضي (2) والأصحاب ، وصرّحوا بأنه لا يجوز . ومثلّوه بشرب يسير النبيذ ، والتزوج بغير ولي ، ومثلّه بعضهم بأكل متروك التسمية ، وهذا الكلام منهم مع قولهم يحدّ شارب النبيذ متأولاً ومقلداً أعجب ، لأن الإنكار يكون وعظاً وأمراً ونهياً وتعزيراً وتأديباً ، وغايته الحدُّ ، فكيف يحدُّ ولا ينكر عليه ؟ أم كيف يفسق على رواية، ولا ينكر على فاسق )) (3) . __________ (1) هو محمد بن مفلح بن محمد المقدسي الحنبلي، شمس الدين ، أبو عبد الله ، صاحب (( الفروع )) و(( أصول الفقه )) توفي سنة 763 هـ . انظر ترجمته في : شذرات الذهب 8 / 340 ، الأعلام 7 / 107 . (2) هو القاضي محمد بن الحسين بن محمد الحنبلي ، أبو يعلى الفرّاء ، صاحب (( العدّة )) و(( الاحكام السلطانية )) توفي سنة 458 هـ . انظر ترجمته في : شذرات الذهب 5 / 252 ، الأعلام 6 / 99 . (3) انظر : الآداب الشرعية 1 / 132 .