المبحث الثاني : الاختلاف هل هو رحمة ؟ شاع وذاع على لسان كثير من السلف أن اختلاف الأمة في الفروع هو ضرب من ضروب الرحمة ، فروى عن القاسم بن محمد (1) قوله : (( كان اختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة )) (2) وعن عمر بن عبد العزيز (3) : (( ما يسرني باختلاف أصحاب النبي ش حُمْرُ النَّعَم )) (4) واشتهر حديث عند الفقهاء وهو : (( اختلاف أمتي رحمة )) (5) . وهذا كله حق لا مرية فيه ، إلا أنه حق يعوزه شيء من التفصيل، وهذا التفصيل ذكره الإمام الشافعي - رحمه الله - في (( رسالته )) حيث جعل لهذا الاختلاف المرحوم قسيماً آخر ، وهو : الاختلاف المحرَّم ، فلما سئل - رحمه الله - ما الاختلاف المحرّم ؟ قال: (( كل ما أقام الله به الحجة في كتابه ، أو على لسان نبيِّه منصوصاً بيّناً لم يحلَّ الاختلاف فيه لمن علمه )) واستدل على ذلك من كتاب الله تعالى بقوله : - عز وجل - { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة { [ البينة : 40 ] وبقوله - عز وجل - : { ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات } [ آل عمران : 105 ] فهؤلاء المخالفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم ، وجاءتهم البينة ، فاختلفوا للبغي والظلم ، لا لأجل اشتباه الحق بالباطل (6) . __________ (1) هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، أحد الفقهاء السبعة في المدينة وأحد سادات التابعين توفي سنة 107 هـ . انظر ترجمته في : شذرات الذهب 2 / 44 ، الأعلام 5 / 181 . (2) انظر : الطبقات الكبرى 5 / 89 . (3) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي القرشي أبو حفص ، قيل له : خامس الخلفاء الراشدين لعدله وصلاحه ، توفي سنة 101 هـ . انظر ترجمته في : شذرات الذهب 2 / 7 ، الأعلام 5 / 50 . (4) انظر : الطبقات الكبرى 5 / 381 . (5) والحديث ليس له أصل . انظر : الدرر المنتثرة ص 41 . (6) انظر : الرسالة ص 352 .