الفرقة الناجية 25 شوال

الصفحة 11

ومن ههنا نشأ الوهم عند من أطلق جواز الترخّص بمسائل الخلاف ، مستدلاً بعموم أقوال الأئمة ، فأصابهم في ألفاظ العموم ، ما أصاب غيرهم في ألفاظ العموم في نصوص الشارع ، فسمعوا أن الاختلاف رحمة ، فاعتقدوا أن هذا شامل لكل خلاف ، ولم يتدبروا أن الخلاف له ضوابط وشروط ، وإلا كان محرّماً مذموماً . أما كون اختلاف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رحمة ، فلأنهم كانوا على الحنيفية السمحة ، ففتحوا باب الاجتهاد للناس ، فتنازعوا وهم مؤتلفون متحابون ، يُقرُّ كل واحد منهم الآخر على اجتهاده ومن لطيف توجيهات ابن تيمية في كون الخلاف رحمة قوله ما ملخصه : إن النزاع قد يكون رحمة لبعض الناس ، لما فيه من خفاء الحكم ، فقد يكون في ظهوره تشديداً عليه ، ويكون من باب قوله تعالى - عز وجل - : { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة : 101 ] لهذا صنّف رجل كتاباً سماه : (( كتاب الاختلاف )) فقال أحمد : سمه (( كتاب السعة )) وضرب لها مثلاً بما يوجد في الأسواق من الطعام والشراب والثياب ، فقد يكون في نفس الأمر مغصوباً ، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك ، كان كله له حلاً لا إثم عليه بحال ، بخلاف ما إذا علم (1) . وبيَّن رحمه الله أن من تبعات الخلاف المحرّم أن يخفى عنهم العلم بما يوجب الرخصة ، فكما أن الله تعالى حرّم على بني إسرائيل طيبات أحلت لهم لأجل ظلمهم وبغيهم ، وشريعة محمد ش لا تُنسخ ، لكنهم يعاقبون بتحريم ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله ورسوله عندهم ، كما فعل ذلك كثير من الأمة اعتقدوا تحريم أشياء فروج عليهم بما يقعون فيه من الأيْمان والطلاق ، واعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التي يحتاجون إليها كضمان البساتين ، والمشاركات ، فصارت محرمة عليهم تحريماً كونياً ، وتحريماً شرعياً في ظاهر الأمر (2) . __________ (1) انظر : مجموع الفتاوى 14 / 159 . (2) انظر : مجموع الفتاوى 14 / 153 .