أحسن القصص

الصفحة 70

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنَّا منحنا بالرضا من أحبنَّا

وعند الصخرة لقي الخضر عليه السلام. قال القرطبي: سمى الخضر لأنه كان إذا صلى اخضرَّ ما حوله· وروى الترمذي عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتزُّ تحته خضراء وكان الخضر عليه السلام من أصحاب العلوم اللدنية قال الرازي: قال الأكثرون: إنَّ ذلك العبد هو موسى إنما سمي بالخضر لأنه كان لا يقف موقفا إلا اخضرَّ ذلك الموضع قوله:وعلمناه من لدنا علما مفاده أن تلك العلوم حصلت عنده من عند الله من غير واسطة والصوفية سموا العلوم الحاصلة بطريق المكاشفات العلوم اللدنية وللشيخ أبي حامد الغزالي رسالة في إثبات العلوم اللدنية.

قال الفخر الرازي: العلوم الكسبية فهي التي لا تكون حاصلة من جوهر النفس ابتداءً بل لابدَّ من طريق يتوصل به إلى اكتساب تلك العلوم، وهذا الطريق على قسمين (أحدهما أن يتكلف الإنسان تركُّب تلك العلوم البديهية النظرية حتى يتوصل إلى تركيبها أي استعلام المجهولات وهذا الطريق هو المسمَّى بالنظر والتفكر والتدبر والتأمل والتروِّي والاستدلال وهذا النوع من تحصيل العلوم هو الطريق الذي لا يتم إلا بالجهد والطلب والنوع الثاني أن يسعى الإنسان بواسطة الرياضات والمجاهدات في أن تصير القوى الحسيَّة والخيالية ضعيفة فإذا ضعفت قويت القوى العقلية وأشرقت الأنوار الإلهية في جوهر العقل.

فتحت رياضتنا إليك طريقة فالشرع باب والحقيقة دار

قيل:وكان علم الخضر معرفة علم بواطن قد أوحيت إليه، لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها وكان علم موسى عليه السلام علم الأحكام والإفتاء وكيف يصبر على ما يراه خطأ ولم يخبر بوجه الحكمة فيه والأنبياء لا يقرون على منكر،وقال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال الفخر الرازي في تفسيره: إعلم أن هذه الآيات تدلُّ على أن موسى عليه السلام راعى أنواعا كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم من الخضر فأحدها أنه جعل نفسه تبعا له لأنه قال: هل أتبعك. وثانيها أنه استأذن في إثبات هذه التبعية فإنه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعا لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع وثالثها أنه قال: على أن تعلمني ؛وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم. ورابعها أنه قال: مما علُّمت وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليمه بعض ما علمه الله كأنه يقول:لا أطلب أن تجعل مني مساويا لك في العلم بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من أجزاء علمك. وخامسا أن قوله مما عُلِّمت اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم. وسادسها أن قولهرشداً طلب منه للإرشاد والهداية. وسابعها تُعَلِّمُني مما عُلِّمت معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به وفي إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيها بإنعام الله عليك في هذا التعليم،وهذا يدل على أن المتعلم يجب عليه من أول الأمر التسليم وترك المنازعة والاعتراض، هذا وموسى من أولي القدم الراسخة وهو صاحب التوراة وهو الذي كلَّمه الله بغير واسطة وخصه بالمعجزات القاهرة الباهرة·فكيف بمن هو دونه وقد بنى الصوفية مذهبهم على هذا الأدب الرفيع في طلب الإرشاد، وقال قائلهم كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل ومعنى هذا الكلام يشكل على كثير من الناس وقدعنى الصوفية به أنَّ الشيخ يفعل مع المريد ما يفعله الغاسل مع الميت ؛ يميط عنه الأذى ويغسله ويطيبه ويلبسه الجديد. والطاعة أساس التوفيق ؛ طاعة العبد لربِّه وطاعة الولد لوالديه وطاعة المرأة لزوجها وبغير الطاعة لا يكون التوفيق، وقد كان في قصة موسى والخضر تعليم للمؤمنين في مدح الطاعة وذمِّ الاعتراض ، وقد ضرب الله المثل بهما لأن المولى عزَّ وجلَّ يضرب المثل بمن يحبُّ في تعليم الفضائل وببركة سيدنا يونس عليه السلام عرفنا فضل التسبيح والذكر في النجاة من المهالك، وبفضل سيدنا أيوب عليه السلام عرفنا عاقبة الصبر على البلاء.