قال له موسى: {هل أتبعك} في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبعٌ للعالم وإن تفاوتت المراتب ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدلُّ على أنه أفضل منه ؛ فقد يشذُّ عن الفاضل ما يعلمه المفضول، والفضل بمن فضله الله· قال: ستجدني إن شاء الله صابراً سأصبر بمشيئة الله- أي قد ألزمت نفسي طاعتك قال فإن اتبعتني... أي حتى أكون أنا الذي أفسِّره لك وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضي دوام الصحبة.
وفي فصوص الحكم لابن العربي ربط بين ما حدث لموسى في رحلته مع الخضر وبين أحداث وقعت لموسى عليه السلا م في حياته قال: فأول ما ابتدأه الله به قتله للقبطيِّ بما ألهمه الله ووفقه له في سرِّه وإن لم يعلم بذلك، ولكنه لم يجد في نفسه اكتراثاً بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك، لأن النبيَّ معصوم الباطن من حيث لا يشعر، حتَّى يصير نبيَّاً؛ لذلك أراه الخضر قتل الغلام فأنكر عليه قتله، ولم يتذكر قتله للقبطيِّ ؛ فقال له الخضر:ما فعلته عن أمري نبَّهه على مرتبته قبل أن يصير نبيَّاً أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر بذلك، وأراه أيضاً خرق السفينة الذي ظاهره هلاك وباطنه نجاة من يد الغاصب، جعل له ذلك في مقابل التابوت الذي في اليم مطبقاً عليه فظاهره هلاك وباطنه نجاة وإنما فعلت به أمه ذلك خوفاً من يد الغاصب فرعون.
فجاء مدين فوجد الجاريتين فسقى لهما من غير أجرٍ، فأراه الخضر إقامة الجدار من غير أجر، فعاتبه على ذلك فذكَّره بسقايته من غير أجر. (فصوص الحكم)