أحسن القصص

الصفحة 55

فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران النمرود وبختنصر، ذكروا أن النمرود هذا استمر فى ملكه أربعمائة سنة، وكان طغى وبغى وتجبر وعتى وآثر الحياة الدبيا. ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاج إبراهيم الخليل فى ذلك وادعى لنفسه الربوبية، فلما قال الخليل: ربى الذى يحى ويميت، هو قال: وأنا أحى وأميت، يعنى قام آتى برجلين قد تحتم قتلهما، فأمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر. فقول هذا الملك الجاهل {أنا أحيى وأميت} إنه عنى الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند، قال الخليل {فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} أى هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها، وهو الذى لا إله إلا هو خالق كل شىء، فإن كنت كما زعمت من أنك الذى تحيى وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإن الذى يحيى ويميت هو الذى يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شىء ودان له كل شىء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل واحد يعلم بأنك لا تقدر على شىء من هذا، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها. فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت، ولهذا قال {فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين} والنمرود كان عنده طعام ليوزعه على الناس التى كانت تفد إليه للميرة، فوفد إبراهيم فى جملة من وفد للميرة ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شىء من الطعام.