الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز
إن للحق رجال ضربوا أروع الأمثلة في الزهد والورع والتقوى ورفعوا راية العدل فإطمأنت النفوس وشاع الحب، إن الحديث عن خامس الخلفاء الراشدين أو عن الرعيل الأول لهو جدير بالإهتمام فقد حملوا لواء الدعوة وسلكوا في سبيلها أوعر الطرق وبذلوا فيها أرواحهم فأضاؤوا الكون بأقوالهم وأفعالهم فإنجذب إليهم كل عاص واهتدى إليهم كل ضال وقد جسد لنا الخليفة الخامس الخلافة في أرقى معانيها وتجلت بكل ما فيها من أحكام وقرارات بل ومراتب تسمو فوق كل ما يتخيله العقل وهو بهذا يعلن للتاريخ وللبشرية أن للحق قوة وأن للدين رجال إصطفاهم الله لحمل عبء الدعوة وهؤلاء الرجال أشار إليهم المصطفى بقوله (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوؤهم أو خالفهم) هؤلاء هم الذين تأسوا برسول الله وتخلقوا بأخلاقه وإذا كنا سنسرد بعض من مناقب خليفة المسلمين الخامس فما ذلك إلا تيمنا ولهفة لاستعادة أمجاد هذه الأمة والتى وصفها الله بالخيرية {كنتم خير أمة أخرجت للناس}.
إرادة واصطفاء
عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم قال: كنت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو يعس بالمدينة إذ أعياه فاتكأ على جانب جدار في جوف الليل فإذا بامرأة تقول لإبنتها يا بنية أمزجي اللبن بالماء، لكن الفتاة تجيب في حسم أما علمت أن أمير المؤمنين نهى عن المزج فقالت: لا علم لى بذلك يا بنيه قالت: لقد أمر مناديه فنادى ألا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنتاه قومى إلى اللبن فامزجيه بالماء فإنك بموضع لا يراك فيه عمر ولا مناديه، فقالت الفتاة: يا أماه والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصاه في الخلاه· ويسمع سيدنا عمر هذا الحوار فقال يا أسلم عَلِّم الباب وأعرف الموضع ثم في عسعسه فلما أصبح قال يا أسلم إمضي إلى ذلك الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لهم من بعل قال فأتيت الموطن فإذا الجارية لابعل لها وإذا هذه أمها فأتيت أمير المؤمنين فأخبرته، فدعا ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة أزوجه ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه أحد منكم.
فقال عبد الله: لي زوجة، وقال عبد الرحمن: لي زوجة، وقال عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم وقال فما أراها إلا مباركة ولعلها تلد رجلا يسود العرب فولدت لعاصم بنتا وولدت البنت سيدنا عمر بن عبد العزيز فما نطق سيدنا عمر بن الخطاب إلا بمُراد الحق وليس كما يظن البعض أن ذلك من مصادفات الأمور.
وعن بن ربيعه عن السر بن يحيى عن رياح بن عبيده قال: رأيت عمر بن عبد العزيز وكان أميرا على المدينة ومعه شيخ متوكئ على يده فقلت في نفسي إن هذا الشيخ جاف كيف يتوكأ على يد الأمير· فلما صلى ودخل تبعته فقلت: أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان متوكئا على يدك، قال: أفرأيته يا رياح، قلت: نعم قال ذلك أخي الخضر عليه السلام أتاني فأعلمني أني سألي الأمر وأني سأعدل فيه، (وهذا ما بشر به سيدنا عمر بن الخطاب) وعن محمد بن نصر بن الوليد عن أبي عبد الرحمن الطائي عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت رجلا يقول بينما أنا في جبال مكة إذ وجدت قرطاسا فيه كتاب براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الأليم وسمعت قائل يقول دان الزمان وذل السلطان وحبسنا الشيطان لعمر بن عبد العزيز قال فوالله ما لبثنا إلا أياما حتى أتتنا خلافته فلما مات أتيت ذلك الموضع الذى وجدت فيه القرطاس فإذا أنا بصوت أسمعه يقول:
عنا جزاك مليك الناس صالحة في جنة الخلد والفردوس ياعمر
أنت الذي لا نرى عدلا نسر به من بعده ما جرت شمس ولا قمر
وعن معتمر بن سليمان عن هشام عن خالد الربعي قال: مكتوب في التوراة أن السماء تبكى على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحا، وقال يوسف بن الحكم حدثني فياض بن محمد الرقي أن عمر بن عبد العزيز كان يسير ومعه ناس من أصحابه إذ هو بجان ميت على قارعة الطريق فنزل من على دابته فحفر له ودفنه ثم مضى فإذا هو بصوت عال يقول لك البشارة من الله يا أمير المؤمنين أنا وصاحبي هذا الذي دفنته آنفا من النفر من الجن الذين قال الله عز وجل {وإذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القرآن} فآمنا بالله وقال النبي لصاحبي أما إنك ستموت في أرض غربة يدفنك فيها يومئذ خير أهل الأرض.
إنه الإصطفاء الأزلى فالأرض لا تخلو من الصالحين ولقد سئل أحد العارفين عن الصالحين أينقصون في زمن قال : لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها ولا أبرزت الأرض نباتها وهنا يبقى سؤال إذا كان الأمر كذلك فما سبب الفساد المنتشر بين الناس حتى وصل إلى مرحلة أسوأ مما كانت عليه الجاهلية الأولى.
والسبب ببساطة ليس بنقص الأولياء ولكن إذا كان أهل الزمان معرضين عن الله مؤثرين الدنيا على الآخرة والموعظة لاتجدي يكون الزمن ليس أهلا لظهور الصالحين وقالوا:
إستتار الرجال في كل أرض تحت سوء الظنون قدر جليل مايضر الهلال في حندس الليل سواد السحاب وهو جميل
وقال الإمام علي كرم الله وجهه: اللهم لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا حيوا في الدنيا بأبدانهم وقلوبهم معلقة بالمحل الأعلى أؤلئك خلفاء الله في عباده وبلاده.
نسبه رضي الله عنه
فهو من جهة أبيه الأمير عبد العزيز بن مراون بن الحكم بن أبي العاص بن أمية فهو من الفرع الثاني للأسرة الأموية فجده مروان والصحابي الجليل عثمان بن عفان أبناء عمومة ومن جهة أمه فهى أم عاصم بنت عاصم بن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فهو نبتة طاهرة ومصطفاه ولد بمصر في ضاحية حلوان في الجيزة وأقام بمصر زمنا.
صفته رضي الله عنه
قال إسماعيل الخطبي رأيت صفته أبيض رقيق الوجه جميلا نحيف الجسم بجبهته أثر حافر دابة ولذلك سمى (أشج بني مروان) فقد دخل اسطبل أبيه وهو غلام فضربه فرس فشجه فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك إذا لسعيد فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن من ولدي رجلا بوجهه شق يملأ الأرض عدلا وكان هذا القول قبل ميلاده بأربعين عاما وظل آل الخطاب يلتمسون تلك العلامة في أولادهم حتى قال سيدنا عبد الله ياليت شعري من هذا الذي من وَلد عمر يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا (بن الجوزى)
بين أخواله
أرسله والده بمصر إلى المدينة المنورة ليعيش بين أخواله من بني الخطاب وينال حظه من التعليم في مجالس الصحابة والتابعين وقال فيه الإمام الذهبي: إن عمر بن عبد العزيز معدود عند أهل العلم من العلماء العاملين والخلفاء الراشدين وقال الفضل بن ربيع: سمعت الفضل بن عياض يقول لما ولي عمر الخلافة دعا كل من سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة رضي الله عنهم فقال لهم (إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا عليَّ) فقال له سالم: (إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا وأفطر على الموت) وقال محمد بن كعب: (إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك إبنا فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك)، وقال رجاء بن حيوة: (إن أردت النجاة من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت).
الحق المغفول عنه
بدأت خلافة بني أمية بسب الإمام علي كرم الله وجهه على المنابر ومعاداة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما تولى الراشد الخامس كان شغله الشاغل وحرصه الشديد رد حقوق أهل بيت النبي فأمر العلماء والخطباء في مساجد مكة والمدينة والطائف وكل الجزيرة بترك لعن الإمام علي على المنابر ولم يأخذ برأي من قال: إن هذا الأمر يضعف من الخلافة لأن فيه معنى الاعتراف بحق أهل البيت في الخلافة حتى أن بعض المنافقين قال إنه يدعو إلى الإعتراف بحقهم في الخلافة فكان هذا الأمر منه رضي الله عنه خطوة على طريق الحق لها أبعادها ومعانيها وجعل مكان ذلك قول الحق {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (مروج الذهب) وهو هنا يعمل بما أمر به النبي.
وقد روى الطبراني عن أبي ليلى (إلزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفس محمد بيده لا ينفع عبد عمله إلا بمعرفة حقنا) ولله در القائل منوها بتلك الخطوة الصحيحة على الطريق:
ولبست فلم تشتم عليا ولم تخف بذيا ولم تتبع مقالة مجرم تكلمت بالحق المبين دائما تبين آيات الهدى بالتكلم فصدقت معروف الذي قلت بالذي فعلت ما ضحى راضيا كل مسلم
وأخرج البخاري في التاريخ عن المغيرة قال: جمع عمر بن عبد العزيز حين استخلف بني مروان فقال إن رسول الله كانت له (فودك) قرية بينها وبين المدينة يومان ينفق منها ويعول صغير بني هاشم ويزوج منها وأن السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها سألته أن يجعلها لها فأبى وكانت كذلك في خلافة أبى بكر وعمر رضي الله عنهما ثم أخذها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمرا منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنته ليس لي بحق وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله ، وهو بهذا العمل يكون حفظ حقوق أهل البيت، فعن جويرة بن أسماء قال دخلنا على فاطمة بنت الإمام الحسين فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت (لو بقي لنا ما إحتجنا بعد إلى أحد) وسأل سيدي محمد الباقر رضي الله عنه عن عمر بن عبد العزيز فقال: هو نجيب بني أمية وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
خلواته