إننا لانغفل على أن فترة خلافته رضي الله عنه أقبل الناس على العبادة وأكثروا من قراءة القرآن وما أصدق من قال(الرعية تتبع الراعي والعامة على دين الملك) وقد كان رضي الله عنه يُرى في محرابه يتهجد باكيا تنساب الدموع في أوقات عبادته ويقول بن طباطبا: كان عمر بن عبد العزيز صاحب عبادة وتلاوة فكان الناس إذا تلاقوا سأل بعضهم بعضا ما وردك الليلة وكم تحفظ من القرآن وكم تقوم من الليالي وهذا على عكس ما كان على عهد الوليد بن عبدالملك كان عهد سعة ورخاء حتى أصبح الرجل يقابل الرجل يسأله عن الأبنية والعمران وكان أخيه سليمان يحب الطعام فكان الناس في خلافته إذا التقوا سأل بعضهم بعضا عن الطعام وماذا تأكل اليوم فعن زيد بن أسلم قال: قال لنا أنس ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله من إمامكم هذا، قال زيد فكان عمر يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود وعن أبي عبيدة بن عقبة أنه دخل على فاطمة بنت عبد الملك فقال ألا تخبريني عن عمر قالت ما أعلم أنه اغتسل من جنابة ولااحتلام منذ استخلف وأنه لن يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصياما منه.
وروى بن الأثير أن عمر بن عبد العزيز خيّر امرأته بين أن تقيم في منزلها على حالها وأعلمها أنه قد شغل بما في عنقه عن النساء، وروى الذهبي أن جماعة دخلوا عليه في خلوته ودموعه تسيل على لحيته وهو يقرأ{كل نفس ذائقة الموت} ثم قال:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم وكيف يطيق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لخرقت مدامع عينيك الدموع اللواجم تسر بما يبلى وتفرح بالمنى كما اغتر باللذات في اليوم حالم نهارك يا مغرور سهوة وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم وسعيك فيما سوف تكره رغبة كذلك في الدنيا تعيش البهائم
عدالته وبساطة عيشه
عندما جلس على كرسي الحكم لاحظ شكاوى الشاكين ولا مجيب وكانت أغلب هذه الشكاوى من أماكن بعيدة فجمع مستشاريه أن يجمعوا تلك الشكاوى وقد وصل أصحابها إلى دمشق فاجتمعوا في المسجد وقام فخطبهم قائلا : أيها الناس إني أنساكم هنا أذكركم في بلادكم فمن أصابته مظلمة من عامله فلا إذن له عليه ولقد منعت أهلي ونفسي هذا المال وضننت به عليكم إني إذاً لضنين، فهلل الناس وعادوا إلى بلادهم وهم على ثقة أن العدل آت.
وروى الذهبي أن مكحول قال: لو حلفت أني لم أر أزهد ولا أخوف من عمر لكنت صادق· وكان رضي الله عنه يسأل علماء عصره فسأل يوما صخر بن كعب عن العدالة فقال له: سألت عن أمر حسن كُن لصغير المسلمين أبا ولكبيرهم إبنا وللمثل منهم أخا وعاقب الناس بقدر ذنوبهم وعلى قدر أجسامهم ولاتضربن أحدا وأنت غضبان فكان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه.
وقال رجاء بن حيوة لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أكرم أدبا ولا أكرم عشيرة من أبيك سهرت عنده ليلة فانطفأ السراج، ونام الغلام قلت: ألا أنبهه قال: لا فقلت: يا أمير المؤمنين قد انطفأ السراج ونام الغلام فلو أذنت لي أصلحه، فقال: إنه ليس من مروءة الرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قام إلى السراج فصب فيه من الزيت وأشعله ثم رجع، وقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر ما نقص مني شيء.
وقال قاضيه ميمون بن مهران: أقمت عند عمر ستة أشهر ما رأيته غير رداءه كان يغسله من الجمعة إلى الجمعة وقال بعض أصدقائه لقد رأيت عمر بعدما إستخلف فإذا هو قد إسود وإحترق جلده ولصق بعظمه حتى ليس بين الجلد والعظم لحم ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت.
وروى بن عبد الحكم كان ثلاث مائة حرس وثلاث مائة شرطي فقال لحرسه إن لي عنكم بالقدر حاجزا وبالأجل حارسا من أقام منكم فله عشر دنانير ومن شاء فليلحق بأهله ودخل يوما على إمرأته فاطمة وسألها أن تقرضه درهما يشتري به عنبا فلم يجد عندها فقالت له: أنت أمير المؤمنين ولا تقدر على هذا ؟ قال: هذا الحرمان أيسر من معالجة الأغلال غدا.
وهكذا كانت حياته وخلافته صورة صادقة للتواضع والبساطة والعدل حتى بلغ الأمر في عهده أن الذئاب ترعى مع الغنم في البادية وهذا مما جعل الناس تتعجب ذئب في غنم ولا يضرها!.
وقال العلامة موسى بن أعين كنا نرعى الشاة بكرامان فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينما نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت ما نرى الرجل الصالح إلا قد مات، (السيوطى في تاريخ الخلفاء).
السلام عليك يا راشد
توفي رضي الله عنه بعد سنتين ونصف من تاريخ خلافته وهى مدة قصيرة في حساب الزمن ولكنها عظيمة في عطائها خالدة باقية في ضمير كل مؤمن فعن فضالة الربعى قال: إننا نجد في التوراة أن السماوات والأرض تبكي على عمر أربعين صباحا وعن العلامة الأوزاعي قال: شهدت جنازة عمر بن عبد العزيز ثم خرجت أريد مدينة قنسرين فمررت على راهب فقال: يا هذا هل شهدت وفاة عمر، قلت: نعم فبكى، فقلت له: أتبكي ولست من أهل دينه، قال: إنى لست أبكي عليه ولكن أبكي على نور كان في الأرض فطفأ (أبو نعيم)