خطابات مولانا الإمام الشيخ إبراهيم محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 18

نص خطاب الإمام الشيخ إبراهيم محمد عثمان عبده البرهانى للأمة الإسلامية فى حولية الإمام فخر الدين إبريل 2003

بِسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

الحمد لله الوهاب الذى يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وهو على كل شئ قدير القائل فى محكم التنزيل ?ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون O إن فى هذا لبلاغا لقوم عابدين O وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين? (الأنبياء 105: 107) اللهم صل وسلم وبارك على حبيبك ونبيك المبعوث رحمة للعالمين من السابقين والحاضرين واللاحقين، صلاة تليق بك منك بما هو أهله الهادى البشير والسراج المنير وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ورضى الله تبارك وتعالى عن سائر الأولياء الصالحين حملة مشاعل النور المحمدى، قلوبهم مصابيح الدجى يخرجون من كل غبراء مظلمة وهذه هى حكمة الخلاق العليم.

فَأَوَّلُ قِبْلَةِ السُّجَّادِ طِينُ عَلَيْهِ أَشِعَّةُ النُّورِ العَلِىْ تَوَلَّتْهُ الْعِنَايَةُ بَعْدَ جَهْلٍ عَلَى عِلْمٍ فَأَنْعِمْ مِنْ وَلِىْ وَدَاوُدُ الْخَلِيفَةُ مِنْ هُدَاهَا وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَىْ وَفَهَّمْنَا سُلَيْمَانَ اقْتِضَاهَا وَعَلَّمْنَاهُ مَنْطِقَ كُلِّ شَىْ وَلَمْ تُكْشَفْ وَلَمْ تُعْلَمْ وَلَكِنْ تَجَلَّتْ فِى نَبِىٍّ أَوْ وَلِىْ

إخوانى أخواتى .. أبنائى وبناتى فى الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية

الأخوة والأخوات الحضور السلام عليكم ورحمة الله وبركاته - وكل عام وانتم بخير

ها نحن نلتقى فى الحولية العشرين لسيدى فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى ونستكمل سوياً من هديه ما استشكل علينا من أمور الدين والدنيا، وكنا قد أشرنا فى خطابنا السابق من العام الماضى إلى داء العصر ودواؤه وكان مجمل القول فى خطورة الفكر الوهابى الذى أخذ الناس بعيداً عن كل ما هو صحيح فى العقيدة الإسلامية السليمة وركّزوا على العبادات والمعاملات بحجة أنها الشاء النافع الوحيد فى الدنيا والآخرة وان كل ما سواها بِدع وخرافات وقللوا بل همّشوا بل أماتوا العقائد فى حب النبى وآل بيته الطيبين الطاهرين وقالوا أن ذلك شِرك بالله وقصروا العقائد على لا إله إلا الله ونسوا أن سيدنا محمد رسول الله هى الجزء المتمم للشهادة حتى أن الإمام الشافعى قال (لو نطق الإنسان أشهد أن محمدا رسول الله بصوت منخفض عن النطق بلا إله إلا الله لا تصح له شهادة) وفى هذا المقام يقول سيدى الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى:

أَمَّا عَنِ الإِسْلامِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ بَيْتُ الأَمَانِ وَمَوْئِلُ التِّبْيَانِ فَشَهَادَةٌ ِللهِ ثُمَّ لأَحْمَدٍ مِنْ غَيْرِ تَثْنِيَةٍ، فَمَا الإِثْنَانِ؟

ومن قال أن دور رسول الله قد انتهى بانتقاله إلى الرفيق الأعلى فقد ضلّ ضلالاً بعيداً والعياذ بالله، ونحن هنا نذكِّر الأمة ببعض وظائف الحبيب التى وردت فى آية واحدة من الذكر الحكيم الذى نزل إجماله وتفصيله على الحبيب ومن أجل الحبيب إذ يقول عز من قائل ?إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا O وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً? (الأحزاب 45: 46) فالشاهد على الأمة كيف تصِح شهادته على أمته وقد انقطعت صلته بموته؟!! ومن قال أن السراج المنير الذى يستمد نوره من النور الإلهى يطفأ والله مُتِم نوره ولو كره الكافرون، وأدهى من ذلك وأمر من ينهى عن زيارة الحبيب مع فريضة الحج مدّعياً أنه شرك بالله، ونحن نقول هنا أن فقه العبادات وفقه المعاملات قد ملأ الكتب والصِحاف ولابد لنا من العناية بفقه العقائد لإصلاح المفاسد والضلالات التى ملأت الكتب والصحف والإذاعة المسموعة والمرئية وفى هذا يقول سيدى فخر الدين:

إنى براء من الدعوى وقد كثُرت بلا حياء وإن الله منجينى

ولذا نعود لنكرر أن سيدى فخر الدين لم يهتم بالتأليف والكتابة إلا فى العقائد فأتى كتابيه تبرئة الذمة وانتصار أولياء الرحمن خير ناصح للأمة للخروج من دياجير الجهل والظلام إلى نور البدر التمام صلوات الله وسلامه عليه.

ولكننا بدورنا نكشف الستار هذا العام عن ضلالة أخرى يروج لها المبطلون ألا وهى إظهار الأحاديث النبوية التى يرون أنها تخدم عقائدهم الفاسدة وتضعيف الأحاديث الأخرى ونضرب المثال بحديثين للحبيب المصطفى عليه الصلاة من الله وأزكى السلام وكلاهما صحيح وهما (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى .. كتاب الله وسنتى) وهذا الحديث لم يروه إلا الحاكم فى المستدرك، أما الحديث (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى .. كتاب الله وعترتى أهل بيتى) فقد رواه مسلم فى الصحيح ورواه الإمام الترمذى فى السنن والإمام أحمد بن حنبل فى المسند حتى أن محمد بن عبد الوهاب جعله من أهم الأحاديث التى أعتبرها أصول التوحيد فى كتابه (أصول الإيمان) المطبوع بالرياض وبالمقارنة من حيث الإخراج والإسناد فإن حديث (عترتى أهل بيتى) أصح سنداً وأكثر إخراجاً ولكن كل المتحدثين بلسان الإسلام آثروا الحديث الأول عليه إتباعاً للهوى وإضلالاً الناس عن مكانة أهل البيت وضرورة الإقتداء بهم وحبهم والولاء لهم، فكان الحديث كلمة حق أريد بها باطل وفى هذا يقول سيدى فخر الدين:

وَأَحْرَى أَنْ يَحِلَّ بِهمْ وَفِيهِمْ شَرِيكُُ لَوْ دَعَاهُمْ مَا دَعَانَا إِذَا مَا ضَلَّ أَبْنَاءُ النَّبِىِّ تُرَى مَنْ لِلْهِدَايَةِ بَعْدُ كَانَ؟ فَهَلْ أَبْنَاءُ طَهَ غَيْرُ قَوْمٍ يُطَهِّرُنَا الَّذِى كَانَ اصْطَفَانَا لِيُذْهِبَ كُلَّ رِجْسٍ أَىَّ رِجْسٍ فَهَلْ تَكْفِيرُنَا يُرْضِى أَبَانَا

وبالرغم من أن الحديث الأول (كتاب الله وسنتى) به دلالة قوية على أن الدين كاملاً هو النبى لأن المقصود بالكتاب هو القرآن الكريم، والسيدة عائشة أم المؤمنين لما سُئِلت عن أخلاق النبى قالت (كان قرآنا يمشى) ومن هذا فالنبى هو القرآن، وان السنة المطهرة ما هى إلا قوله وفعله وإقراره صلوات الله وسلامه عليه .. ومن أراد فصل أحدهما عن الآخر إنما هو صاحب معول لهدم الدين حتى ولو تسمى باسم (الإسلامى أو السنى).

لعل الله يُحدِث بعد هذا أمورا حيث أهل العلم حاروا فإن النار للموصول نور وإن النور للمقطوع نار

ويقولون بعدم زيارة قبور الصالحين والتقبيل وما شابه ذلك لسد الذرائع، وهو قول مردود لأنه لو كانت القاعدة عامة، لم يحِل لنا استقبال الكعبة وهى من الحجارة والطين ولا الطواف حولها ولا تقبيل الحجر الأسود ولا مس الركن اليمانى ولا رمى الجمار وهى حصى ولا السعى بين الصفا والمروة وهما جبلان. لأن ذلك أيضاً ربما يؤدى إلى الشرك بالمفهوم الخاص بهم فالذى فرض علينا ذلك هو الذى سنّ لنا الزيارة وسنّ لنا التوسل وسنّ لنا التقبيل وسنّ لنا التبرك .. كذلك فإن الحق أمرنا بتعظيم واحترام كل شعيرة. وشعائر الله عبارة عن أمكنة مقدسة مباركة يتضاعف فيها الثواب، وأعتقد أنهم لا يستطيعون أن ينكروا هذه الأمور فلماذا إذًا توقفت البركة والاحترام والتعظيم عند الصالحين .. ولماذا قُيِدَت البركة فى الأحجار التى جعلها الله لنا شعائر وجب تعظيمها، أيهما أقرب للشرك تقبيل الركن اليمانى أم تقبيل يدِِ نبى أو ولى. ثم لننظر ونتأمل قول الحق سبحانه وتعالى ?يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس? (النحل 69) فالذى وضع البركة والشفاء فى العسل هو الذى وضعها فى المؤمن الصالح .. وكذلك قميص سيدنا يوسف سبباً فى رد بصر سيدنا يعقوب، فليس الأمر أمر تقبيل حجر من كونه حجر ولكن لأمر آخر أسمى وأعلى وراء هذه المظاهر، وهذا هو الإمام فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهانى ينفى بحقٍ وتحقيق هذه .. عن أتباعه ومحبيه فيقول فى أحد قصائده من ديوان شراب الوصل وهى أيضاً لكل من يقف على طريق الحق:

يا أيها الناس حج البيت للسارى وميتُ القلبِ لا تشجيه أوتارى الحج لله فى مجلاه مكرُمة وبيتُه بيتُه من غيرِ إظهارِ ولم يكن بيته طينا ولا لبنا وليس مقصود قومى لثم أحجارِ

وهذا هو الإمام أحمد يسأله ابنه سيدنا عبد الله عن الرجل يمس منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبركاً بمسه وتقبيله ويفعل بالقبر الشريف مثل ذلك رجاء ثواب الله. فقال الإمام أحمد لا بأس به.

اخوانى .. أخواتى .. أبنائى وبناتى .. الأخوة والأخوات الحضور ..

لقد حان الوقت لأقف بكم قليلاً عند معنى الشرك فى أمة النبى صلى الله عليه وآله وسلم .. أخرج الطبرانى عن سيدنا أنس .. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أتخوف على أمتى الشرك والشهوة الخفية، قال سيدنا أنس: أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: أجل إلا إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجرًا وإنما يُراءون بأعمالِهم .. والشهوة الخفية ان يصبح المرء صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه) فالشرك كما وصفه الحديث هو الرياء .. يرأون أى يقصدون الرياء بأعمالهم متظاهرين أمام الناس بأنهم على الهدى أو أنهم محسنون.

فاعلموا أن القول باللسان والعمل بالجوارح إذا لم يتوفر بحضور القلب مع كل حرف وكل فعل فيكون كالسراب .. من أجل هذا كان اهتمام الصالحين الزاهدين بتطهير قلوب محبيهم لأن تطهير القلب وتزكيته من أساسيات الدين .. فالحق سبحانه وتعالى علّق النجاة على سلامة القلب .. قال تعالى ?يومَ لا ينَفعُ مال ولا بنون O إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم? (الشعراء 88: 89) وخصه النبى بالذكر فقال صلى الله عليه وآله وسلم (ألا وأن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب) فالقلب محل نظر الله .. وتعظيم شعائر الله مرتبطة كل الارتباط بتقوى القلوب فإذا تعلق القلب بالِسوَى ومحبة الغير فهى عبودية لغير الله، وقال عليه الصلاة والسلام (تَعِسَ عبد الدنيا تَعِسَ عبد الدرهم تَعِسَ عبد الخميصة تَعِسَ عبد القطيفة تَعِسَ وانتكس) فلابد من تحرر الإنسان من عبودية الأشياء .. وقد أشار الشيخ محمد عثمان عبده إلى هذا المعنى فقال:

َتعساً لعبد الفهمِ بِئس إناؤه مِن ناضحٍ بالرى للظمآنِ تعساً لعبد الوهمِ ضلّ وما اهتدى ضل الطريق وباء بالخُسرانِ يا بِئس عبد المال مالت رحله وبَنَت غَشَاوتُه بِناءا فانى

وهذا هو نبى الله سيدنا عيسى يمر على قوم يعبدون الله فسألهم ماذا تفعلون؟ قالوا: نعبد الله، قال: لماذا؟ قالوا: طمعاً فى جنته وخوفاً من ناره .. فقال: لهم مخلوقاً طمِعتم ومخلوقاً خِفتم، فما كان طمعهم فى الله ولا خوفهم من الله. ومرّ على قوم يعبدون الله فسألهم ماذا تفعلون؟ قالوا: نعبد الله .. قال: لماذا؟ قالوا: حباً فى الله .. فقال أنتم أولياء الله وأمِرت أن أكون معكم.