خطابات مولانا الإمام الشيخ إبراهيم محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 13

نص خطاب الإمام الشيخ إبراهيم محمد عثمان عبده البرهانى شيخ الطريقة البرهانية الذي وجهه الي الامة الاسلامية مساء الاربعاء الثالث من ابريل 2002 بِسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

اللهم صلي علي من منه انشقت الأسرار وانفلقت الأنوار وفيه ارتقت الحقائق و تنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة ولا شئ الا وهو به منوط إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط ..

اخواني اخواتي .. ابنائي وبناتي في الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية أحييكم و احيي عبركم أمة المصطفي صلي الله عليه وسلم في مشارق الارض ومغاربها أنِ السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته، يسعدني في هذه الليلة المباركة ونحن نحتفل بسيدي العارف بالله الإمام الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني في ذكراه التي تصادف اول السنة الهجرية كما تصادف مرور مائة عام علي مولده الشريف، ان اتقدم إليكم بالتهنئة الحارة والامنيات الطيبة .. نسأل الله ان يجعل ما بعدها فرجاً وفتحاً مبيناً ..

اخواني اخواتي .. ابنائي وبناتي

قال تعالي في محكم تنزيله ... ?قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى? صدق الله العظيم ... اتحدث إليكم الليلة عن أحد هموم العالم الرئيسية إن لم يكن أهمها و أخطرها وهي ظاهرة التطرف الديني التي عاني منها العالم طويلاً خلال الخمسين عاماً الماضية والتي ساهمت التطورات الدولية التي شهدها العالم مؤخراً في بلورتها وإبراز خطرها الذي يقود للإرهاب وقتل الأبرياء و تدمير الأرض بدلاً من إعمارها، ولعل هذا هو النتيجة الطبيعية لعدم فهم التحذير الوارد فى هذه الآية الكريمة، فمنذ أن هبط الإنسان على وجه الأرض وكفل له الله كل وسائل المعيشة ويسّر له كل السبل الكريمة، فقد طالبه بالذِكر وحذره من الإعراض عنه، إلا أن بنى آدم قد انشغلوا بما خُلِق لهم وأعرضوا عما خُُلقِوا له ?عبدى خلقتك لنفسى وخلقت الدنيا لك فشُغلت بما خلقته لك عما خلقتك له? حديث قدسى ... ونحن هنا لا نقف عند وصف العلة كما يفعل الكثير من الخطباء وعلماء الكلام فشرح تفاصيل المرض وخطورته أمر لايهم المريض بقدر ما يهمه معرفة سبب علته وكيفية الشفاء منها ثم الوقاية كى لا يعود مرة أخرى وكل هذا يندرج تحت حديث واحد للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه إذ يقول (صلاح آخر هذه الأمة بصلاح أولها علمائِها وأمرائِها). وعلي هذا فإنه يجدر بنا ان نستعرض العبرة والعظة من دروس و توجيهات مولانا الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضوان الله عليه، الذي نبه العالم قبل اكثر من ستة عقود من الزمان من خطر العولمة الثقافية و التطرف الديني، بل إن ما بذله في حياته كلها لم يعدو ان يكون الأساس و الوسيلة لحسن إدارة الارض وتقويم النفس وتهذيبها وربط الارض بالسماء، لقد بني الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني نظاماً استراتيجياً محكماً يرتكز علي بناء الفرد (الوحدة) بما يجعل من المريد ممارساًَ للدين الحق قولاً وفعلاً سلوكاً راقياً واخلاقاً رفيعة صادقاً اميناً بالذكر والصلاة علي النبي صلي الله عليه وسلم، الشئ الذي يؤدي الي تحقيق السلام داخل الفرد ويشيع التوازن داخله، و بالتالي صلاح وتوازن الجماعة ومن ثم صلاح وتوازن المجتمع الذي يقود الي تحقيق التوازن والسلم الدوليين والعكس صحيح. لقد شهد العالم الإسلامي خلال العقود الماضية العديد من التجارب الدعوية الدينية انتظمت معظم انحاء العالم، و الآن وبعد مرور اكثر من خمسين عاماً علي نهاية الحرب العالمية لم يجني العالم غير إضافة همٍ جديد الي هموم العالم الا وهو التطرف الديني الذي يمكن ان يقود الي إفساد عقائد الناس وتهديد مستقبل الارض والإنسانية، وأمام هذا الخطر الجديد وقف العالم حائراً فنتائج تجارب الماضي أصبحت تفرض تغييراً استراتيجياً، ولكن ما هو هذا التغيير وما طبيعته وما هو الخطأ؟

الاخوة و الأخوات

من المعروف للكثيرين ان الشيخ محمد عثمان عبده قد ارجع التصوف الي الكتاب والسنة و اثبت ان التصوف هو لُبُّ الدين، ولعل من أهم واخطر ما تناوله الشيخ محمد عثمان هو موضوع مسئولية الإرشاد والدعوة، فقد شرح من خلال دروسه وكتبه النظام الذي ارتضاه المولي عز وجل للدعوة وإرشاد الخلق حدد بموجبه المسئولية في ذلك للرسل والأنبياء والأولياء الصالحين، ولم يترك الامر كما هو مفهوم لدي الكثيرين للاجتهاد البشري ومحل شوري اهل الارض في إنشاء الجماعات للدعوة وابتداع الوسائل والأساليب لهداية الناس دون ارتباطٍ بالنظام الإلهي الذي يحكم ذلك، حيث ان عهد الولاية والأئمة المعتمدين قد بدأ بعد نهاية عهد الرسل ... يدل علي ذلك النص الشريف (يُبعث علي رؤوس الأشهاد في كل مائة عام إمام يجدد للناس امر دينهم) والنص يقول يُبعث، والبعث ليس للخلق خِيار فيه.

اخواني اخواتي .. ابنائي بناتي

إن الضمان الوحيد للمحافظة علي الارض و حمايتها من الفساد و التدمير الناتج عن أي خللٍ بشري مثل تلك الممارسات الدعوية المتطرفة وغير الرشيدة التي انتشرت في بقاع الارض بل وحماية الدين نفسه من العبث والتشويه، يكمن في وجود اتصال بين الارض والسماء، ولن تأمن الارض الا عبر هذا، وهو ما يقود الي اهمية من اصطفاهم الله وزكّاهم واذِن لهم من الأولياء والصالحين لسياسة خلقه و تعليمهم أمور دينهم و تربيتهم، وقد قال تعالي ?قل هذه سبيلي ادعوا الي الله علي بصيرة ٍ أنا ومن اتبعني? والبصيرة هي فراسة المؤمن التي قال فيها المصطفي صلي الله عليه وسلم (اتقوا فراسة المؤمن فانه يري بنور الله) ... ، ولعله من المهم للعالم اليوم الانتباه الي هذه الحقيقة المهمة والتي كان لمجافاتها كل هذا الخلل و الفساد الذي أصاب العالم اليوم، فكما ان الإرادة الإلهية قد اقتضت إرسال الرسل الي البشرية في مرحلة من المراحل فقد اقتضت ايضاً إسناد مهام الدعوة والإرشاد بعد انتقال المصطفى صلي الله عليه و سلم للأولياء الصالحين عبر نظام محكم، ولعل هذا يلتقي مع المنهج العلمي الذي يدعو لإسناد العمل للخبير المختص، إذ ان الدعوة للدين يجب ان يتصدي لها الخبير المختص الذي يؤهله علمه وصلاحه نتيجة للتقرب بالعبادة والذكر ?الرحمن فسئل به خبيراً? وهو امر يطول شرحه الا ان مولانا الشيخ محمد عثمان قد أوضحه في دروسه وكتابيه انتصار أولياء الرحمن وتبرئة الذمة في نصح الامة حيث اثبت تلك الحقيقة وأرجعها الي الكتاب والسنة ... وقد كان هذان الكتابان بمثابة رنين أجراس الخطر الداهم للامة يشد الآذان ويطرق أبواب القلوب والناس في غفلة معرِضون حتى أفاق الناس على أصوات الرصاص والقنابل يقتل الأبرياء فى مختلف بقاع الارض ... ومن هنا تتضح خطورة تولي أمر الدعوة بواسطة من هم غير مؤهلين لذلك وعبر مناهج دينية و تربوية لا تلتقي مع تعاليم الدين الإسلامي السمحة بل تعمل ضدها وما أكثر غير المؤهلين ممن يتخذون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلغوا عنى ولو آية) ذريعة لإرشاد الناس فى هذا الدين الحنيف بالقول بالرأى وعدم الاعتراف بفضل الأئمة المجتهدين فى الشريعة وإنكار فضل علماء الصوفية الأفاضل، وقد صدق فيهم قول سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه {إياكم وأصحاب الرأى فإنهم قوم أعجزتهم الحيلة على حفظ أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم}، ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحد بل ظلوا يعمون الناس عن قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم ويرفعون من أقدار مشايخهم، ونسوا الآية الشريفة ?لتعزروه وتوقروه? التي قال فيها الإمام الشافعي رضي الله عنه {علمتنا هذه الآية ان احترام النبي أولى من اتباعه}.

وقال صلي الله عليه وسلم (مثل اهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) و قال ايضاً (إني أوشِك ان اُدعي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله، حبل ممدود من الارض الي السماء وعترتي اهل بيتي وإن اللطيف اخبرني انهما لن يفترقا حتي يردا علي الحوض يوم القيامة فانظروا بما تخلفونني فيهما) رواه الإمام احمد.

ومما قاله الإمام الشافعي رضي الله عنه في هذا الصدد

يا آلَ بيتِ رسولَ اللهِ فرض مِنَ اللهِ في القرآنِ أنزلهُ

يكفيكمُ ُمِن عظيمِ الفخرِ أنَّكُمُ مَن لم يُصلِّ عليكم لا صلاة له

وقال سيدي فخر الدين:

ولِئن سألتم ما الكتابِ فإنه مِما رواهُ اماجِدُ الاعلامِ

نِعم الهداةَ حقائقاً قد سطروا فهُمُوا اُولِي القدرِ الجليلِ السامي

اخواني اخواتي .. ابنائي بناتي

لم يقف الامر عند هذا الحد فقد حملوا راية العداء لأولياء الله الصالحين رضوان الله عليهم وأنكروا عطاء الله لنبيه من شفاعة وحرّموا على الأمة التوسل والتبرك، إنه داء العصر، وان النتيجة الواقعية التي يعيشها العالم نتيجة ذلك، هي تلك السمعة السيئة التي اُلصِقت بالإسلام وهو برئ منها، وبروز ظاهرة التطرف التى تقود إلى الإرهاب والحجر علي عدد من حقوق الإنسان التي كفلها الله وإظهار الإسلام كأنه دين متخلِّف لا صِلة له بالعلم والتقنية والتطور ولا يراعي حقوق الإنسان.

اخواني اخواتي .. ابنائي و بناتي

لقد استشري هذا الداء ... داء العصر والعالم الإسلامي يقبل علي عصر العولمة الثقافية ويواجه فيه مخاطر الغزو الثقافي الغربي في وقت اعمل فيه الفقر بكل معاوله لهدم البنية الاجتماعية لجانب كبير من الامة الاسلامية الشئ الذي يهدد بانهيار ثقافة وسلوك وحضارة الامة الاسلامية خلال سنوات قليلة مما يقتضي بالضرورة الاستعداد المناسب لذلك. ولعله من البديهي ان مواجهة ذلك لا يتم الا باتباع اساليب ذات أبعاد ومرتكزات استراتيجية ليس لتبادل الحوار مع العالم فحسب بل والإرسال بقوة، ولعله من المهم للعالم الإسلامي وهو يخطط للتصدي لمهام العصر القادم فانه يجدر به استعراض تجربة الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية التي طرحت نموذجاً إسلامياً صوفياً راقياً يشكل دواء العصر بكل المقاييس، وباشرت عملياً عولمة الاسلام و قامت بتحطيم الحدود الجغرافية بين الدول مما ادي الي انسياب النور البرهاني الإسلامي الصوفي في معظم انحاء العالم حتي في أوربا والولايات المتحدة وغيرها من بلاد الغرب التي تعاني الان من ويلات التطرف والممارسات الدعوية الخاطئة والمنحرفة، فيما يزيد عن الخمسين دولة واستطاعت الطريقة ان تغزو القلوب في تلك المناطق في لطفٍ ولينٍ ويسرٍ ومحبةٍ واكتسبت حب الناس حتي صارت مضرباً للأمثال، وقد تم كل ذلك رغم تباين الظروف البيئية والتطور التكنلوجي الهائل في تلك البقاع من العالم وتعدد اللهجات واللغات والعادات والتقاليد لتصبح الخرطوم محوراً ومرتكزاً بل ومرجعاً أساسياً لتبادل الحوار مع شعوب العالم، وسيكون من غير المنطقي الا يستفيد السودان والعالم الإسلامي من هذه التجربة الفريدة.

اخواني اخواتي .. ابنائي بناتي