خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 25

أيها الأحباب ..

جاءت العشرات من آيات القرآن الكريم التى تدعو إلى الصحبة وإلى التأدب بآدابها، وما تلاها من أحاديث قدسية وأحاديث نبوية تنص على أهمية الصحبة وعلى التخلق بأخلاقها الحميدة، حتى حَظِىَ كل من أدرك الإسلام زمن النبى بشرف الصحبة، فهم الصحابة رضوان الله عليهم، لخير الخلق وحبيب الحق، فكان خير الأصحاب لأصحابه ولمجتمعه، وهو المثل الأعلى لهم فى نفعه للناس وللمجتمع كما وصفته السيدة خديجة أم المؤمنين، قالت: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.

ولقد شبه الرسول الصديق الصالح كحامل المسك يصيبك بريحه الطيبة لما يحمله من أخلاق فاضلة، يأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر، فقال (إنما مثل جليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، حامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة).

وقال الإمام القشيرى: إن الصحبة على ثلاثة أقسام:

صحبة من فوقك، وهى فى الحقيقة خدمة.

وصحبة من دونك، وهى تقضى على المتبوع بالشفقة والرحمة، وعلى التابع بالوفاق والحرمة.

وصحبة الأكْفاء والنظراء، وهى مبنية على الإيثار والفُتوَّة.

فمن صحب شيخاً فوقه فى الرتبة، فَأَدَبه ترك الاعتراض وحمل ما يبدو منه على وجه جميل وتلقى أحواله بالإيمان.

وأما إذا صحبت من هو فى درجتك فسبيلك التعامى عن عيوبه، وحمل ما ترى منه على وجه من التأويل جميل ما أمكنك، فإن لم تجد تأويلاً عُدْتَ إلى نفسك بالتهمة وإلى التزام اللائمة. وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين: رجل تتعلم منه شيئا فى أمر دينك فينفعك، أو رجل تعلمه شيئا فى أمر دينه فيقبل منك.

أحبتى ..

نذكر لمولانا الشيخ إبراهيم مشهد غاية فى الجمال والروعة وهو عندما سافر إلى ألمانيا الغربية ووقف عند سور برلين (الحائط الفاصل بين البلدين) ثم تحدث لمن حوله عن وحدة ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية لتصبحا بلدا واحداً، وبعد فترة من الزمن تكون أول ضربة معول لهدم الفاصل من نفس المكان الذى وقف فيه الشيخ، وهذا الكلام ليس من باب الكرامة ولكن من باب تحدى العقول، فكان بحق وحقيق يستحق الثناء الجميل من الإمام فخر الدين بقوله:

مِنْ كَمَالِ الْعَطَاءِ مِنْ فَيْضِ وَهْبٍ فَاسْأَلُوهُ النَّجَاةَ مِنْ يَوْمِ حَشْرٍ

أَيُّهَا النَّاسُ جَاءَكُمْ إِبْرَاهِيمُ يَوْمَ لاَ يَسْأَلُ الْحَمِيمَ حَمِيمُ

وقوله أيضا:

أُودِعَ السِّرَّ وَالسَّرَائِرُ غَيْبٌ مَنْ رَأَىنِى لَدَيْهِ فَازَ بِسِرِّى فِى جَنَاحَيْهِ رَحْمَتِى وَلَدَيْهِ

كَاظِمٌ عِلْمَهُ وَنِعْمَ الْكَظِيمُ فِى جَنَى جَنَّتَيْهِ سِرٌّ كَتِيمُ عِوَضُ الْوَالِدَيْنِ يَلْقَى اللَّطِيمُ

فقد كان رضوان الله عليه قمة فى التواضع، حتى إنه كان يتنزل ويتنزل إلى أن يشعر من يتحدث معه أنه لا فرق بين ولى بلغ ختم الولاية وبين مريد أو أخ من عامة الإخوان، فما تلبث أن تذهب الرهبة ويبدأ التباسط، فيسأله الإمام الشيخ إبراهيم عن أحواله وعن أبناءه ...

وكان يشعر بالألم إذا عرف أن أحد الإخوة قد أصابه أقل مكروه، حسبنا قوله (حتى الشوكة يشتاكها أحدكم فأتألم لها). ومما أُثر عنه أنه كان يعول أكثر من أسرة فقيرة، بل يحمل بنفسه الطعام إليهم دون أن يعرف بذلك أحد من الجيران، وغير ذلك، كمساعدته للغارمين، وسد الدين عن المدينين، وزياراته المتعددة للمرضى، وكان دائماً وأبداً ما يوصى ببر الوالدين، ويوصى المرشدين بالطريقة بأن يغرسوا فى قلوب إخوانهم حديثى العهد بالطريقة مكارم الأخلاق واحترام الكبير.

ولا ننسى وصاياه التى مازال صداها يدق ناقوس قلوبنا وها نحن نستعيد رنينها عندما قال:

أوصيكم بضرورة مراعاة الآتى وأنتم مقبلون على هذه المرحلة الجديدة:

أولا: العمل وفقا لخطط استراتيجية علمية واضحة المعالم تراعى البيئة الدولية والتطور التكنولوجى الذى يشهده العالم، ولابد لى أن أشير هنا إلى ضرورة مرور أعمالكم إلى اللجنة العليا حتى تكتمل حلقات المشورة بين المسئولين فى إدارة الطريقة وضمان توفير التنسيق لكافة أعمالها.

ثانيا: ضرورة الالتزام بالعمل وفقا لتنظيم إدارى علمى تكون بغيته تربية الإنسان فى المقام الأول.

ثالثا: الاهتمام بشدة بخلق قنوات الاتصال السريع بين الزوايا فى مختلف الأقاليم ومدن العالم مع رئاسة الطريقة بالخرطوم وبين بعضها البعض والعمل على اللحاق بركب التقدم التكنولوجى فى هذا المجال.

رابعا: العمل على خلق روح الانسجام بين مجموعات العمل وعدم السماح لأى مجموعات مختلقة أو متنازعة للتصدى للعمل.

خامسا: العمل على نشر أهمية الصفا وعدم الاختلاف وعدم التنازع كعامل غاية فى الأهمية لتحقيق النجاح لأعمالنا وأذكركم بقوله تعالى فى هذا الخصوص {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} 46 الأنفال- وقول مولانا الشيخ محمد عثمان عبده:

بَاب التَّنَازُعِ إِنْ طَرَقْتُمْ تَفْشَلُوا

هَذَا كَلامِى فَاجْعَلُوهُ إِزَارَا

وقوله أيضا:

إِذَا اجْتَمَعْتُمْ عَلَى حُبٍّ وَمَرْحَمَةٍ

فَأَيْقِنُوا الْوَصْلَ إِنَّ اللهَ مُعْطِينِى سادسا: العمل عبر حملات الدروس والمحاضرات والمرشدين على توضيح أهمية الأوراد والعقيدة وضرورة استيعاب الخطورة الكبيرة لعدم توحيد القبلة وهى (الشيخ) ومن ثم العمل على تصحيح هذه المفاهيم.

سابعا: العمل على تنشئة المريد والسير به ورعايته وتفقده والسؤال عنه.

ثم ختم وصاياه بقوله:

(أرجو منكم استيعاب هذه الوصايا والمعانى الهامة والعمل على ضوئها)

إِنِّى اصْطَفَيْتُ لَكُم سَبِيلِىَ مَسْلَكًا

إِنِّى خَبِيرٌ فِى دُرُوبِ السَّالِكِينْ

أحبتى ..

قال تعالى {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} 33 التوبة

عَلَى بَابِ عِزِّ اللهِ كُنْتُ مُنَادِيًا

فَمَنْ جَاءَنِى فَهْوَ الْعَزِيزُ بِعِزَّتِى

ومن نسبِ العزيز قد أَتَيْنَا وبه إلى الله العزيز قد توجهنا وَوَجْههُ غايتنا يا عزيز فلم أزل بعزك عزيزاً يا عزيز ...

وَأَدِمْ عِزَّنَا بِوَصْلِكَ نَحْيَا

فَلَنَا فِيكَ عُرْوَةٌ وَحِبَالُ

وختاماً ..

أيا حبيب صلاة نسأل الرب الكريم بها أن يوفِّق ولاة الأمور للعمل على جمع شمل الأمة، فوحدة الصف عندى عمدة الدين، وقدوتى سيدى شيخ المساكين، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وكل عام وأنتم بخير ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته