الحلم سيِّد الأخلاق السيارة تنهب الطريق إلى بلد الحديد والنار في صيف أغسطس القائظ حيث أصر مولانا الشيخ إبراهيم الشيخ رضى الله عنه على زيارة الزوايا في شمال البلاد السودانية التى أشك في تقديرها جغرافيا بأنها مليون ميل مربع فهذا التقدير أقل بكثير مما نعانيه في رحلاتنا مع الشيخ الذي لا يعرف الراحة إلا في لقاء أبناءه ومريديه ومشاركتهم ليس في أفراحهم وأتراحهم فحسب بل يشاركهم حتى في معاناتهم في السفر وسوء الطقس ، ومرت السيارة بمدينة شندي وانعطفنا نحو الزاوية لأخذ قسط من الراحة وخرج الأحباب براياتهم وطبولهم ونسينا معاناة الطريق مع شراب الوصل الذي استقينا من قصائده حتى رويت أرواحنا وجاء دور شراب الأجساد ليبتل ريقنا الذي جف وحمل الأخوة شراب بنى اللون فارتشفت رشفة نهمة طويلة ووضعت الكوب وقلت للساقي يا أخي مش تحط شوية سكر في العرديب فرد قائلا إنه ليس عرديب فقلت إذا فهو حلو مر فضحك وقال :وليس حلو مر فسألته في استغراب فماذا يكون؟ فقال هذه مياه الفيضان وهذا لون الطمي فضحكنا جميعا وذهبنا للوضوء لنستعد لصلاة الظهر مع الشيخ ، وبعد أن فرغنا من الصلاة نظر الشيخ إلى مسئول الحضرة وقال : أين أبناء (فلان) ونزل علينا السؤال كالصاعقة ففلان هذا كم عادى وحارب الشيخ سنين طوال وتوفي الرجل وناهيك عما فعله الشيخ من العزاء بإرسال مندوبين عنه لأنه كان خارج السودان وأمرهم بكل أنواع المشاركة المعنوية والمادية وظل على اتصال ليتأكد أن من كلف بهذه المهمة سوف يقوم بها على خير وجه ، كل هذا من خلق الشيخ وفي عرفه جائز لأنه لاشماتة في الموت وأن السماح من شيم الكرام والعفو عند المقدرة وكل ذلك ولكن من يرى معي الآن وجه الشيخ وهو غاضب من مسئول الحضرة لأنه لم يهتم بأبناء ذلك الرجل وعليه الذهاب إليهم وإحضارهم إلى الزاوية البرهانية لينشأوا نشأة سليمة تبعدهم عن الانحراف الأخلاقي أو الانخراط في جماعات متطرفة يظن أن الشيخ يتحدث عن أبناء أحد أحبابه أو عائلته أومن يهمه أمرهم بالدرجة الأولى. وكنت دائما أقرأ قول الرسول الكريم عن مكارم الأخلاق (تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطى من حرمك) وأقول لنفسي من يستطيع في كل البشر أن يفعل ذلك وإذا أنا أراه أمامي غاضبا من أجل أن يصل من قطعه بل وحاربه وأراد أن يأخذ منه حقه كشيخ للطريقة ويغضب الشيخ ليصل أبناء هذا الرجل بل ويحذر الناس أن يعاملوهم معاملة سيئة لماضي قد دفنه الشيخ قبل أن يدفن الرجل، أهكذا يكون الخلق الكريم والله ما رأيت هذا من قبل إلا في سيدي فخر الدين رضى الله عنه أو قرأناه في الحكايات التى كانت في الصدر الأول من الصحابة وأهل البيت الكرام. في جناحيه رحمتي ولديه عوض الوالدين يلقى اللطيم في يمينيه قوتي ومراسي بلسانيه عالم وعليم ورياح اللقاح لو ذات يوم عدمت حبه فريح عقيم يا سيدي هأنذا أنحني إجلالا وتوقيرا لمثال يضرب كل يوم بل في كل تصرف يصدر إن فهمناه كان خيرا لنا وإن لم نفهمه نسأل السماح وسعة الصدر التى خبرناها على مدى السنين الطوال التي عشناها معك.