ويبقى مِنْ مسائلِ هذَا البابِ شيءٌ واحدٌ : وهوَ الكلامُ في : هلْ يجوزُ لأفرادِ العلماءِ والمسلمينَ إنشاءُ العبادةِ مِنْ ذاتِهمْ بحَيْثُ لا يكونُ الواحدُ مسبوقاً في ذلكَ ؟
وهوَ موضوعُ النُّقْطَةِ التّاليةِ ، وهيَ ضِمْنَ الإجابةِ السّابقةِ على شأنِ الصُّوفِيَّةِ في أورادِهِمْ مِنْ ألفاظٍ معجمةٍ وأذكارٍ غَيْرِ واردةٍ فِيمَا يتداولُهُ النّاس .. فنقولُ وباللهِ التَّوْفِيق : ز- الإنشاءُ في العبادةِ ابتداءً سُنَّةٌ إقراريةٌ متى كانَ مِنْ جنسِها : والآثارُ الصّحيحةُ المتواترةُ في ذلكَ كثيرةٌ ؛ حَيْثُ ابتدأَ الصّحابةُ الكثيرَ مِنَ الأدعيةِ والعباداتِ فأَقَرَّهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وصارَتْ أموراً تَتَعَبَّدُ الأُمَّةُ المُحَمَّديّةُ بِهَا وبمِثْلِهَا .. ومِنْ ذلكَ : لفظُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ عِنْدَ القيامِ مِنَ الركوعِ ؛ حَيْثُ ابتدَأَهُ سَيِّدُنَا الصِّدِّيقُ أبو بَكْرٍ عِنْدَمَا جاءَ متأخِّراً إلى الصلاةِ حَتَّى أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ الركوعِ فحمِدَ اللهَ ، فأُوحِيَ لِلنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ربِّهِ أنْ يقول { سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه } فرَدَّ عليْهَا بذلكَ ، فأقَرَّها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وصارَتْ سُنَّةً مؤكَّدة (1) .. ومِنْهُ : ما رواهُ سَيِّدُنَا رفاعةُ بنُ رافعٍ الزرقيُّ - رضي الله عنه - قال : كُنَّا يَوْماً نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال { سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه } فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال { مَنِ الْمُتَكَلِّم } قَالَ : أَنَا قَال { رَأَيْتُ بِضْعاً وَثَلاَثِينَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونَ أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل } (2) .. __________ (1) 1- ومَتْن الحديث ذكره النّوويّ في الأذكار " مَرْوِيّاً في صحيحَيِ البخاريّ ومسلم . (2) 2- رواه البخاريّ .