وافعل فى الرحيم ما فعلت فى الرحمن لأن الرحمة رحيمية مرحمة وجوبية متعلق بالعمل فمرحومها المؤمنون الذين يعملون الصالحات، فأثبت اسم الرحيم فى اليمنى وأسماء المؤمنين فى اليسار والرحمة فى البرزخ كما تراه هكذا: المؤمنون والأولياء والخواص ... رحمت وجوبى والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ... رحيم يعملون الصالحات ويؤتون الزكاة ... ويقيمون الصلاة وعن اللغو يعرضون ... والفروج يحفظون إلا على أزواجهم أو ... ما ملكت أيمانهم
وباعتبار حكم الأصول اليسرى فى الفرع لكل حرف من حروف البسملة والفاتحة ولكل سورة إجمال ولا يأتيها وكلماتها وحروفها تفصيل ولكل واحد منها دائرة مقوسة القوسين وبرزخ جامع بينهما وذلك لا يتسع فى هذا المجال المختصر ولا فى جميع العوالم كما قال الله تعالى {لو كان البحر مدادا} الآية (1). فاكتفينا على ما رقمنا ووقفنا عند ما وقفنا على هذا المقدار والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. تمت هذه الرسالة المسماة (بمرآة العارفين فى ملتمس الإمام زين العابدين من أبيه الإمام الهمام وسيد الأنام أمير المؤمنين الحسين الشهيد ابن أسد الله الغالب أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليهم السلام). (2) ومن هذا القبيل أيضاً خطبة الإمام على كرم الله وجهه المعروفة بخطبة الكوفة، وفيها إيضاح بَيَّن لعلو قدره وغزارة علمه وتمكنه من معرفة الله تبارك وتعالى وتخلقه بالصفات والأسماء الإلهية وهاك نصها أيضاً:
{خطبة الكوفة} بسم الله الرحمن الرحيم قال أمير المؤمنين على عليه السلام وهو يخطب على المنبر بالكوفة (3) __________ (1) الكهف / 109 (2) لمزيد من التفاصيل فى هذا التفسير يراجع الفتوحات المكية لسيدى محى الدين بن عربى الباب الخامس فى معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم وأسرار الفاتحة 1/ 132، وما بعدها (ط. المجلس الأعلى للفنون والآداب - وزارة الثقافة) (3) مقدمة المحقق لخطبة الكوفة:
الحمد لله المتجلى لخلقه بخلقه، والظاهر لتلوينهم بحجته، أحمده على ما كان ونستعينه من أمرنا على مايكون، ونسأله المعافاة فى الأرواح كما نسأله المعافاة فى الأشباح، والصلاة والسلام على يعسوب الأرواح وممدها، وعروس القيامة ومليكها، سيدنا محمد المختار من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء، عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وعلى آله و صحبه من بدو ومن حضر، وبعد فهذه خطبة نادرة للإمام على خطبها على منبر الكوفة أثنى فيها على ربه بما هو أهله، وعلى نبيه بما يقتضيه فضله، ثم تحدث عن الحال التى عليها الناس، وما سيؤول إليه أمرهم مستنبطاً من البدايات والمقدمات النتائج والنهايات، وأخبر عن بعض المغيبات، والغيب علم وهو كرم الله وجهه باب مدينة العلم، ولعله ممن ارتضى الله إظهار غيبه عليه، ومتى ظهرله صار مشاهدة والشاهد يشهد بما يرى وهو غيب لمن أخفاه الله عنه، وشهود لمن أطلعه الله عليه {عالم الغيب والشهادة}، وقد اعترف للإمام خصماؤه فقال بعضهم يا أمير المؤمنين أنت حاضر ما ذكرت وعالم به، وبتأويل ما أخبرت فبدأ يتحدث عن نفسه معرفاً بحقيقتها متنبئاً بما تنبأ به أستاذه ومعلمه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فتحدث عن سلالة الخوارج قائلاً: إنهم نطف فى أصلاب الرجال، وقرارات النساء، كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصاَ سلابين فقد أخرج ابن ماجة فى سننه بإسناد قال صاحب الزوائد إنه صحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ينشأ نشئ يقرأون القرآن لايجاوز تراقيهم كلما خرج قرن قطع - أكثر من عشرين مرة - حتى يخرج فى عراضهم الدجال ثم بدأ يعدد مناقبه كرم الله وجهه داعياً مستمعيه إلى أن تعتبر منهم العقول فى تأويل ما يقول. وفى خطبته المشهورة سأشاركك أيها القارئ فى شرح ما غمض من تعبيراته وإيضاح ما استغلق عليك فهمه من تلميحاته، والتسليم له بما جاء فيها من تصريحاته، والإمساك عن الخوض فى غيبياته، والارتياح لما بدا من مشاهداته. وهذه الخطبة نقلها المصنف رضى الله عنه - بأمانة من كتاب (جواهر الاطلاع ودرر الانتفاع) على متن الأصفهانى أبى شجاع تحت رقم 3295/ 1937، ب 19836 بالهيئة المصرية العامة للكتاب من ص 160 إلى ص 169، كما أشار إليها (الحافظ ابن كثير) صاحب البداية والنهاية وذلك فى تفسيره المشهور / سورة الذاريات 4/ 231