فلما برز صلى الله عليه وسلم كان كالشمس، اندرج فى نوره كل نور، فأقر من شرائعه التى وجه بها نوابه ما أقر ونسخ منها ما نسخ. وظهرت عنايته بأمته لحضوره وظهوره فيها. وإن كان العالم الإنسانى والنارى (1) كله أمته. ولكن لهؤلاء خصوص وصف فجعلها خير أمة أخرجت للناس. وهل الفضل أعطاه ظهوره بنشأتيه؟ فكان من فضل هذه الأمة على الأمم أن أنزلها منزلة خلفائه فى العالم قبل ظهوره، إذ كان أعطاهم التشريع. فأعطى هذه الأمة الاجتهاد (2) فى نصب الأحكام وأمرهم أن يحكموا بما أداهم إليه اجتهادهم. فأعطاهم التشريع فلحقوا بمقامات الأنبياء عليهم السلام فى ذلك. وجعلهم ورثة لهم لتقدمهم عليهم (3). فإن المتأخر يرث المتقدم بالضرورة. فيدعون إلى الله على بصيرة. كما دعا الرسل ودعا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأخبر بعصمتهم فيما يدعون إليه. فمنهم المخطئ حكم غيره من المجتهدين وما هو مخطئ عن الحق. فإن الذى جاء به حق فإن أخطأ حكماً قد تقدم الحكم به لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما وصل إليه. فذالك الذى جعل له أجر واحد وهو أجر الاجتهاد، وأجر الاصابة. وإن كان المصيب مجهول العين فى المجتهدين عند نفسه وعند غيره فليس بمجهول عند الله. وكل من دخل فى زمان هذه الأمة بعد ظهور سيدنا محمد صلى الله علي وسلم من الأنبياء والخلفاء الأول، فإنهم لايحكمون فى العالم إلا بما شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى هذه الأمة. __________ (1) العالم النارى: أى عالم الجن: قال تعالى {وخلق الجان من مارج من نار} الرحمن / 15 (2) الاجتهاد: هو بذل الفقيه جهده وغاية وسعه، إما فى استنباط الأحكام الشرعية، وإما فى تطبيقها، ويشترط فيمن يقوم به. أن يكون مسلماً، عاقلاً، متمكنا من اللغة العربية، عالماً بالقرآن الكريم، عالماً بالوقائع المجمع على الحكم فيها، عارفاً بالقياس، وبمقاصد الأحكام. (3) لحديث أبى الدرداء (العلماء ورثة الأنبياء)