قلت: وهذا يؤيد ما تقدم فى المسلك الأول أنه لم يبق إذ ذاك من يبلغ الدعوة ويعرف حقيقتها على وجهها. وأخرج أبو نعيم فى دلائل النبوة عن عمرو بن عبسة السلمى قال: رغبت عن آلهة قومى فى الجاهلية، ورأيت أنها الباطل يعبدون الحجارة. (1) وأخرج البيهقى وأبو نعيم كلاهما فى الدلائل من طريق الشعبى عن شيخ من جهينة أن عمير بن حبيب الجهنى ترك الشرك فى الجاهلية، وصلى الله، وعاش حتى أدرك الإسلام. (2) وقال إمام الأشاعرة الشيخ أبو الحسن الأشعرى: وأبو بكر ما زال بعين الرضا منه فاختلف الناس فى مراده بهذا الكلام، فقال بعضهم: إن الأشعرى يقول أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان مؤمنا قبل البعثة، وقال آخرون: بل أراد أنه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه لعلم الله تعالى بأنه سيؤمن ويصير من خلاصة الأبرار، قال الشيخ تقى الدين السبكى: لو كان هذا مراده لا ستوى الصديق وسائر الصحابة فى ذلك. وهذه العبارة التى قالها الأشعرى فى حق الصديق لم تحفظ عنه فى حق غيره، فالصواب أن يقال: إن الصديق لم يثبت عنه حالة كفر بالله، فلعل حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأقرانه، فلهذا خصص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة، انتهى كلام السبكى. قلت: وكذلك نقول فى حق أبوى النبى صلى الله عليه وسلم أنهما لم يثبت عنهما حالة كفر بالله، فلعل حالهما كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأبى بكر الصديق وأضرابهما مع أن الصديق وزيدبن عمرو إنما حصل لهما التحنف فى الجاهلية ببركة النبى صلى الله عليه وسلم، فإنهما كانا صديقين له قبل البعثة، وكانا يودانه كثيرا، فأبواه أولى بعود بركته عليهما، وحفظهما مما كان عليه أهل الجاهلية. __________ (1) ذكره أبو نعيم فى (دلائل النبوة) ص 211. (2) ذكره النبهانى فى (حجة الله على العالمين) 1/ 229.