فهذه أقوال السلف من الصحابة والتابعين فى ذلك، ويرشحة أيضا ما أخرجه بن المنذر فى تفسيره بسند صحيح عن سلمان بن مرد قال: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم فى النار جعلوا يجمعون الحطب حتى أن العجوز لتجمع الحطب، فلما أن أرادوا أن يلقوه فى النار قال: حسبى الله ونعم الوكيل، فلما ألقوه قال الله: {يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم} (1) فقال عم إبراهيم: من أجلى دفع عنه، فأرسل الله عليه شرارة من النار فوقعت على قدمه فأحرقته، فقد صرح فى هذا الأثر بعم إبراهيم، وفيه فائدة أخرى وهو أنه هلك فى أيام إلقاء إبراهيم فى النار، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى فى القرآن بأن إبراهيم ترك الاستغفار له لما تبين له أنه عدو لله، ووردت الآثار بأن ذلك تبين له لما مات مشركاً وأنه لم يستغفر له بعد ذلك. أخرج ابن أبى حاتم بسند صحيح عن ابن عباس قال: مازال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله فلم يستغفر له، وأخرج عن محمد بن كعب وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم قالوا: كان يرجوه فىحياته، فلما مات على شركه تبرأ منه، ثم هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نص الله على ذلك فى القرآن، ثم بعد مدة من مهاجره دخل مصر واتفق له فيها مع الجبار ما اتفق بسبب سارة واخدمه هاجر، ثم رجع إلى الشام، ثم أمره الله أن ينقلها وولدها إسماعيل إلى مكة، فنقلها ودعا وقال: {ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع} إلى قوله {ربنا اغفر لى ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} (2) فاستغفر لوالديه، وذلك بعد هلاك عمه بمدة طويلة. فيستنبط من هذا أن الذى ذكر فى القرآن بالكفر والتبرى من الاستغفار له هو عمه، لا أبوه الحقيقى، فلله الحمد على ما ألهم. __________ (1) الأنبياء / 69. (2) إبراهيم / 41.