تبرئة الذمة المحقق 1 الجزء الأول كامل

الصفحة 85

مع الإختلاف فى نبوته، كل هؤلاء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام يتعبدون بشريعة النبى صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك فى الصحاح. فمن ذلك أن النبى عليه الصلاة والسلام كان ذاهباً لقضاء الحاجة ومعه سيدنا أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه وهو يحمل الركوة - وهى إبريق الجلد - وبينما هما سائران إذ سمعا دوياً فى جبل أبى قبيس. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا أنس اذهب إلى هذا الجبل وأتني بالخبر فذهب سيدنا أنس رضى الله تعالى عنه إلى غار فى الجبل فوجد رجلاً طويل القامة فحياه فرد عليه التحية وقال: يا أنس بن مالك أأنت رسول الرسول؟ فقال نعم. فقال له الرجل: اذهب إلى صاحبك وقل له إن أخاك إلياس ينتظرك "فأتى سيدنا أنس رضى الله تعالى عنه إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأخبره بما جرى فدخل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الغار وانتظر سيدنا أنس رضى الله تعالى عنه خارجه وبعد مدة طويلة صاحا له ليدخل عليهما فدخل ووجد أمامهما أكلاً وشراباً فطلبا منه أن يأكل معهما فأكل معهما وخرج. (1) __________ (1) حديث اجتماع النبى صلى الله عليه وسلم بإلياس عليه السلام. - أخرجه الحاكم فى (المستدرك) ح (4231/ 241) وقال حديث صحيح الإسناد. -ورواه البيهقى فى (الدلائل) 5/ 421 عن أنس رضى الله عنه. وأخرج الحاكم فى (المستدرك) حديث حياة إلياس عليه السلام ح 4119/ 129 وقال وإنما رفعه الله إلى أرض الشام - وأورد ابن عساكر طرقاً فيمن اجتمع بإلياس من العباد وأخرج مثله ابن أبى الدنيا وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة. -أنظر (البداية والنهاية) لابن كثير 1/ 379 -و (الخصائص الكبرى) السيوطى 1/ 459 وأورد الصالحى فى (سبل الهدى والرشاد) بابين فى اجتماع إلياس بالنبى صلى الله عليه وسلم والخضر بالنبى صلى الله عليه وسلم والتقائهما بالصحابة مثل سيدنا عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه 6/ 671، 673 ... (ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية).

وملاقاة الخضر وإلياس وغيرهما من الأنبياء من الأمور التى ليست محل نزاع، وفى ليلة الإسراء والمعراج خير شاهد ودليل على تلاقى الأنبياء فى الأرض والسماء، لأنهم أحياء فى قبورهم ولهم القدرة على التصرف والحركة وغيرها مما يفوق الشهداء الذين شهد لهم القرآن بالحياة ولوازمها مما لا يخفى على أحد فهذا عيسى بن مريم المرفوع إلى أن يحين وقت نزوله فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويحكم بالشرع المحمدى الذى نسخ كل الشرائع، أما الخضر وإلياس فقد تظاهرت الأدلة على حياتهما وتلاقيهما فى الحج كل عام وانصرافهما على الكلمات الواردة فى الأحاديث المتعددة التى سبق تخريجها. أما كيفية حياتهما وتصرفهما وأنهما موجودين الآن فقد أعطى الحق سبحانه وتعالى أرواحهما قدرة كاملة بحيث تتشكل وتتمثل بصورة الأجسام، ويصدر عنها ما يصدر عن الأجسام من الحركات والسكنات الجسمانية والطاعات والعبادات الجسدية يصلون ويصومون وليسوا مكلفين بالشرائع، فعلم من ذلك أنه لا يترتب الجزاء على طاعتهم، بل تصدر عنهم الطاعة والعبادة موافقة لأهل الطاعة ومراعاة لصور العبادة وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر عليه السلام وصحح فى الإصابه أنه نبى وأنه باق إلى اليوم فإنه تابع لأحكام هذه الأمة، وكذا إلياس على ما صححه أبو عبد الله القرطبى أنه حي أيضاً، وليس فى الرسل من يتبعه رسول إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا شرفاً لهذه الأمة زادها الله شرفاً ا. هـ قلت: والروح إذا تم صفاؤها واصطفاؤها قد يعطيها الله تعالى قوة الظهور بالصور المتعددة فى الأمكنة المختلفة فى الزمان الواحد ولا يحسبن القارئ الكريم أن ذلك فى باب وجود الشخص الواحد فى مكانين حتى يعده محالاً عقلياً، وإنما هو فى ظهور الصور المتعددة للشخص الواحد فى الأمكنة المتعددة. وقد صنف الحافظ الكبير والفقيه الجليل جلال الدين السيوطى رسالة فى بيان هذا المعنى سماها المنجلى فى تطور الولى فليراجعها من أراد استيفاء الموضوع. ولما كان هؤلاء المنظرون من خواص البشر فليسوا بأقل مرتبة من الملائكة والجن، وهم قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة، ولهم أن يجتمعوا بمن شاءوا حيثما أرادوا ما داموا لم يخرجوا عن دائرة قدرته سبحانه، وتحت نفوذ مشيئته تعالى. أنظر فى هذا: -تعريب المكتوبات لمحمد مراد مع ترجمة صاحب المكتوبات الإمام الربانى أحمد الفاروقى 1/ 304 , 2/ 102 -تنوير القلوب فى معاملة علاٌم الغيوب للعارف الكردى / المقدمة