الفرقة الناجية 25 شوال

الصفحة 29

رحمه الله - حين جعل الخلاف جارٍ فيهما على حدٍّ سواء (1) ، فمسألة مخالفة العامي المقلَّد ، أو المفتي المقلِّد لمذهب إمام في بعض المسائل ، الخطب فيها يسير ، والخلاف هيِّن ، وأقوال العلماء فيه بين : مجيزٍ مطلقاً ، ومانعٍ ، ومفصِّل (2) . أما مسألة تتبع الرخص فهي أعم من سابقتها ، فصاحبها يكتفي من فتياه بموافقة قول إمام - ولو كان نادراً - من غير نظرٍ في ترجيحٍ أو دليل، ويجعل كل خلاف دليلاً على الحلِّ أو التحريم . وهذا الفرق أشار إليه أبو العباس ابن تيمية في (( المسوّدة )) فقال : (( قلت : التخيير في الفتوى والترجيح بالشهوة ، ليس بمنزلة تخيِّر العامي في تقليد أحد المفتين ، ولا من قبيل اختلاف المفتين على المستفتي ، بل كل ذلك راجع إلى شخص واحد ، وهو صاحب المذهب ، فهو كاختلاف الروايتين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، راجع إلى شخص واحد ، وهو الإمام ، فكذلك اختلاف الأئمة راجع إلى شريعة رسول الله ش ، حتى إن من يقول : (( إن تعارض الأدلة يوجب التخيير )) لا يقول : إنه يختار لكل مستفت ما أحب ، بل غايته أنه يختار قولاً يعمل به ويفتي به دائماً )) (3) . فإذا بان لك هذا الفرق فمذاهب العلماء في هذه المسألة لا تعدوا ثلاثة هي : الأول : منع الترخّص مطلقاً ، وهذا القول مبني على القول بوجوب الاقتصار على مذهب واحد ، لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع ، فإذا لم يجز مخالفة الإمام في بعض المسائل ، فمن باب أولى ألاّ يجوز على وجه الإطلاق وهذا المذهب جزم به الجيلي (4) في (( الإعجاز )) . __________ (1) انظر : البحر المحيط 6 / 324 . (2) انظر : البحر المحيط 6 / 320 - 321، المسوّدة ص 478، تيسير التحرير 4 / 253 . (3) المسوّدة ص 479 ، وأشار الشيخ عبد الله درار إلى هذا الفرق في تعليقه على الموافقات 4 / 144 . (4) لعله شافع بن عبد الرشيد الجيلي الشافعي ، أبو عبد الله ، من كبار أئمة الشافعية توفي سنة 541 هـ .