مسألة الترخّص بمسائل الخلاف ، عني بها الفقهاء والأصوليون على حدٍّ سواء . فالفقهاء يذكرونها - استطراداً - عند ذكرهم حكم من أتى فرعاً مختلفاً فيه يعتقد تحريمه ، في شروط من تقبل شهادته (1) . والأصوليون سطّروها عقيب مسألة من التزم مذهباً معيناً ، واعتقد رجحانه ، فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل ، ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر (2) ؟ ، فهي شبيهة بها ، مفرّعة عنها ، وهذه المسألة تعود إلى قاعدة عظيمة هي قاعدة : (( تصويب المجتهدين ))، والخلاف فيها : هل كل مجتهد مصيب ، أو المصيب واحد ؟ فمن توسع في الأخذ برخص العلماء من غير ضابط ولا قيد ، يرى أن كل مجتهد مصيب فيما عند الله ، ومصيب في الحكم ، وليس هناك تحجير على تتبُّع مسائل الخلاف ، واستمع إلى ما يحكيه ابن المنيِّر حينما فاوض بعض مشايخ الشافعية في هذه المسألة فقال : (( وقال - أي الشيخ - : أي مانع يمنع من تتبع الرخص ونحن نقول : كل مجتهد مصيب ، إن المصيب واحد غير معين، والكل دين الله ، والعلماء أجمعون دعاة إلى الله ، حتى كان هذا الشيخ رحمه الله من غلبة شفقته على العامي إذا جاء يستفتيه - مثلاً - في حنث ينظر في واقعته ، فإن كان يحنث على مذهب الشافعي ، ولا يحنث على مذهب مالك ، قال لي : أفته أنت، يقصد بذلك التسهيل على المستفتي ورعاً )) (3) . ونقل الشاطبي عن بعض العلماء قولهم : (( كل مسألة ثبت لأحد من العلماء فيها القول بالجواز - شذّ عن الجماعة ، أو لا ، فالمسالة جائزة )) (4) . __________ (1) انظر على سبيل المثال لا الحصر : الفروع 6 / 491 ، الانصاف 12 / 50 . (2) انظر كذلك : البحر المحيط 6 / 325 ، تيسير التحرير 4 / 254 . (3) انظر : البحر المحيط 6 / 324 . (4) انظر : الاعتصام 2 / 354 .