يحكى أن بعض النحويين دخل مجلس الحسن بن سمعون ليسمع كلامه فوجده يلحن فانصرف ذاما له، فبلغ ذلك الحسن، فكتب له: إنك من كثرة الإعجاب رضيت بالوقوف دون الباب، اعتمدت على ضبط أقوالك مع لحن أفعالك، وإنك قد تهت بين خفض ورفع، ونصب وجزم، فانقطعت عن المقصود هلا رفعت إلى الله جميع الحاجات وخفضت المنكرات وجزمت على الشهوات ونصبت بين عينيك الممات؟ والله يا أخى ما يقال للعبد لم لم تكن معربا، وإنما يقال له لم كنت مذنبا، ليس المراد فصاحة المقال وإنما المراد فصاحة الفعال، ولو كان الفضل فى فصاحة اللسان لكان سيدنا هارون أولى بالرسالة من سيدنا موسى حيث يقول ?وأخى هارون هو أفصح منى لسان?.
وقد يتكلم الإنسان بحكم وحقائق، مع فصاحة وبلاغة وشقاشق، لكنها مكسوفة الأنوار مكموسة الأسرار، ليس منها حلاوة، ولا عليها طلاوة، سبب ذلك عدم الإذن فيها، إذ لو أذن له فى التعبير لظهر عليها كسوة التنوير، وينبغى لأهل التعبير أن يخاطبوا الناس بقدر مايفهمون، فليس التعبير لأهل البداية كأهل النهاية وفى الحديث (خاطبوا الناس بقدر عقلوهم).
سأل سائل سيدي جلال الدين السيوطي رضي الله عنه وكان آن ذاك شيخا للأزهر الشريف عن معنى قوله تعالى ?الرحمن على العرش استوى? وكان السائل من الفرقة الضالة التي تقول بالمكان والزمان لله سبحانه وتعالى عما يصفون، فرد عليه سيدي جلال الدين بهذه الأبيات الساخرة التي تعتمد على المنطق والأدب وسعة الثقافة
جرت بين الإمام الشَّافعيُّ وبعض أصحابه مجانة فقال:
وَأَنْزَلَنِي طُولُ النَّوَى دَارَ غُرْبَةٍ إِذَا شِئْتُ لاَقَيْتُ امْرَءَاً لاَ أُشَاكِلُهُ أُحَامِقُهُ حَتَّى يُقَالَ سَجِيَّةٌ وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلِ لَكُنْتُ أَعَاقِلُهُ
مصدر هذين البيتين من كتاب: معجم الأدباء لياقوت الحموي وحلية الأولياء وبهجة المجالس. وقال الإمام يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، في بهجة المجالس:خرج الشافعي الفقيه رضي اللّه عنه، في بعض أسفاره، فضمَّه اللَّيلُ إلى مسجد، فبات فيه، وإذا في المسجد قوم عوامٌ يتحدثون بضروب من الخنا (فحش الكلام وهجر المنطق)، فقال البيتين.