اغتسل الإمام الحسن رضى الله تبارك وتعالى عنه وخرج من داره في بعض الأيام وعليه حلة فاخرة ووفرة ظاهرة ومحاسن سافرة، فعرض له في طريقه شخص من صغراء اليهود وعليه مسح من جلود، قد أنهكته العلة وركبته القلة والذلة، وشمس الظهيرة قد شوت شواه، وهو حامل جرة ماء على ظهره، فاستوقف الإمام الحسن رضى الله تبارك وتعالى عنه وقال: يا ابن رسول الله سؤال، فقال الإمام: ماهو؟ فقال اليهودى: جدك يقول؟الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأنت مؤمن، وأنا كافر، فما أرى الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها وما أراها إلا سجنا علىّ قد أهلكنى ضرها وأجهدنى فقرها، فلما سمع الإمام الحسن كلامه قال له: يا هذا لو نظرت إلى ما أعد الله لى في الآخرة لعلمت أنى في هذه الحالة بالنسبة إلى تلك في سجن.. ولو نظرت إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب الأليم.. لرأيت أنك الآن في جنة واسعة.
لما بعث سليمان بن عبد الملك أسامة بن زيد الكلبي على مصر دخل أسامة على عمر بن عبد العزيز فقال يا أبا حفص إنه والله ما على ظهر الأرض من رجل بعد أمير المؤمنين أحب إلي رضا منك ولا أعز علي سخطا منك وإن أمير المؤمنين قد وجهني إلى مصر فأوصني ما شئت واكتب إلي فيما شئت فإنك لن تأمر بأمر إلا نفذ إن شاء الله قال ويحك يا أسامة إنك تأتي قوما قد ألح عليهم البلاء منذ دهر طويل فإن قدرت على أن تنعشهم فانعشهم قال يا أبا حفص إنك قد علمت نهمة أمير المؤمنين في المال وإنه لا يرضيه إلا المال قال إنك إن تطلب رضا أمير المؤمنين بسخط الله يكن الله قادرا على أن يسخط أمير المؤمنين عليك قال إني سأودع أمير المؤمنين وأنت حاضر إن شاء الله فتسمع وصاته فلما كان في اليوم الذي أراد أن يسير فيه غدا على سليمان متقلدا بسيف متوشحا عمامته يتحين دخول عمر فلما عرف أن عمر قد استقر فقعد مقعده عند سليمان استأذن ودخل وسلم ثم مثل قائما فقال يا أمير المؤمنين هذا وجهي وأردت أن أحدث عهدا يا أمير المؤمنين وأن يعهد إلي أمير المؤمنين قال احلب حتى ينفيك الدم فإذا أنفاك فاحلب حتى ينفيك القيح لا تنفيهما لأحد بعدي قال فخرج فلم يزل واقفا حتى خرج عمر من عند سليمان فسار معه قبل منزل عمر فقال يا أبا حفص قد سمعت وصاة أمير المؤمنين قال وأنت قد سمعت وصاتي قلت أوصني في خاصتك قال ما أنا بموصيك مني في خاصتي إلا أوصيك به في العامة فسار إلى مصر فعمل فيها عملا والله ما عمله فيها فرعون فقد قص عليكم ما عمل فرعون فقلت له فما صنعتم به حين وليتم قال عزلناه ووقفناه بمصر في العسكر فوالله ما جاء أحد من الناس يطلب قبله دينارا ولا درهما إلا وجدناه مثبتا في بيت المال كان أمينا في الأرض.