أحسن القصص

الصفحة 70

عبد الله بن جعفر بن أبى طالب الهاشمى رضي الله عنه

السيد، العالم، أبو جعفر القرشى، الهاشمى، الحبشى المولد، المدنى الدار، الجواد ابن الجواد ذى الجناحين، له صحبة ورواية، عداده فى صغار الصحابة، استشهد أبوه يوم مؤتة، فكفله النبى صلى الله عليه وسلم ونشأ فى حجره، وروى أيضا عن عمه على وعن أمه أسماء بنت عميس، حدث عنه أولاده: إسماعيل وإسحاق ومعاوية وأبو جعفر الباقر وآخرون، وهو آخر من رأى النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه من بنى هاشم، وله وفادة على معاوية وعلى عبد الملك، وكان كبير الشأن، كريما، جوادا، يصلح للإمامة. حدثنا محمد بن عبد الله بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر قال: أردفنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، فأسرّ إلى حديثا لا أحدث به أحدا، فدخل حائطا، فإذا جمل، فلما رأى النبى صلى الله عليه وسلم حن، وذرفت عيناه.

عن على بن أبى حملة قال: وفد عبد الله بن جعفر على يزيد فأمر له بألفى ألف، قلت: ما ذاك بكثير جائزة ملك الدنيا لمن هو أولى بالخلافة منه.

وقال مصعب الزبيرى: هاجر جعفر إلى الحبشة فولدت له أسماء عبد الله وعونا ومحمد.

وعن هشام بن عروة، عن أبيه أن عبد الله بن جعفر وابن الزبير بايعا النبى صلى الله عليه وسلم وهما ابنا سبع سنين، فلما رآهما النبى صلى الله عليه وسلم تبسم وبسط يده وبايعهم.

وعن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر: أن النبى صلى الله عليه وسلم أتاهم بعد ما أخبرهم بقتل جعفر بعد ثالثة، فقال: (لا تبكوا أخى بعد اليوم، ثم قال: ائتونى ببنى أخى، فجئ بنا كأننا أفرخ، فقال: ادعوا لى الحلاق، فأمره فحلق رؤوسنا ثم قال: أما محمد؛ فشبه عمنا أبى طالب، وأما عبد الله؛ فشبه خلقى وخلقى ثم أخذ بيدى فأشالها ثم قال: اللهم اخلف جعفرا فى أهله، وبارك لعبد الله فى صفقته، قال: فجاءت أمنا، فذكرت يتمنا، فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم فى الدنيا والآخرة) رواه أحمد فى مسنده.

وروى أيضا لعاصم الأحول عن مورق العجلى عن عبد الله بن جعفر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى بالصبيان من أهل بيته وإنه قدم مرة من سفر فسبق بى إليه فحملنى بين يديه ثم جئ بأحد ابنى فاطمة فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.

وعن فطر بن خليفة عن أبيه عن عمرو بن حريث قال: مر النبى صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن جعفر وهو يلعب بالتراب، فقال: (اللهم بارك له فى تجارته) قال الشعبى: كان ابن عمر إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذى الجناحين.

وعن أبان بن تغلب قال: أن عبد الله بن جعفر قدم على معاوية وكانت له منه وفادة، فى كل سنة يعطيه ألف ألف درهم ويقضى له مائة حاجة.

قيل أن أعرابيا قصد مروان فقال: ما عندنا شئ فعليك بعبد الله بن جعفر، فأتى الأعرابى عبد الله فأنشأ يقول:

أبو جعفر! من أهل بيت نبوة صلاتهم للمسلمين طهور أبا جعفر! ضن الأمير بماله وأنت على ما فى يديك أمير أبا جعفر! يا ابن الشهيد الذى له جناحان فى أعلى الجنان يطير أبا جعفر! ما مثلك اليوم أرتجى فلا تتركنى بالفلاة أدور

فقال: يا أعرابي! سار الثقل، فعليك بالراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السيف، فإنى أخذته بألف دينار.

ويروى: أن شاعرا جاء إلى عبد الله بن جعفر، فأنشده:

رأيت أبا جعفر فى المنام كسانى من الخز دراعة شكوت إلى صاحبى أمرها فقال: ستوتى بها الساعة سيكسوكها الماجد الجعفرى ومن كفه الدهر نفاعة ومن قال للجود: لا تعدنى فقال له: السمع والطاعة

فقال عبد الله لغلامه: أعطه جبتى الخز، ثم قال له: ويحك! كيف لم تر جبتى الوشى اشتريتها بثلاثمائة دينار منسوجة بالذهب، فقال: أنام فلعلى أراها، فضحك عبد الله وقال: ادفعوها إليه.

قال أبوعبيدة: كان على قريش وأسد وكنانة يوم صفين عبد الله بن جعفر وأخبرنا هشام عن محمد قال: مر عثمان بسبخة، فقال: لمن هذه فقيل: اشتراها عبد الله بن جعفر بستين ألفا، فقال: ما يسرنى أنها لى بنعل، فجزأها عبد الله ثمانية أجزاء؛ وألقى فيها العمال، ثم قال عثمان لعلى: ألا تأخذ على يدى ابن أخيك وتحجر عليه اشترى سبخة بستين ألفا، قال: فأقبلت، فركب عثمان يوما، فرآها، فبعث إليه، فقال: ولنى جزأين منها، قال: أما والله دون أن ترسل إلى من سفهتنى عندهم، فيطلبون إلى ذلك، فلا أفعل، ثم أرسل إليه: أنى قد فعلت، قال: والله لا أنقصك جزأين من مائة ألف وعشرين ألفا، قال: قد أخذته.

وعن العمرى: أن ابن جعفر أسلف الزبير ألف ألف، فلما توفى الزبير، قال ابن الزبير لابن جعفر: إنى وجدت فى كتب الزبير أن له عليك ألف ألف، قال: هو صادق، ثم لقيه بعد، فقال: يا أبا جعفر! وهمت؛ المال لك عليه، قال: فهو له، قال: لا أريد ذلك.

وعن الأصمعى: أن امرأة أتت بدجاجة مسموطة، فقالت لابن جعفر: بأبى أنت! هذه الدجاجة كانت مثل بنتى، فآليت أن لا أدفنها إلا فى أكرم موضع أقدر عليه؛ ولا والله ما فى الأرض أكرم من بطنك، قال: خذوها منها واحملوا إليها، فذكر أنواعا من العطاء، حتى قالت: بأبى أنت! إن الله لا يحب المسرفين.

وعن ابن سيرين: أن رجلا جلب سكرا إلى المدينة، فكسد، فبلغ عبد الله بن جعفر، فأمر قهرمانه أن يشتريه، وأن يهبه الناس.

جمع عبد الله بن جعفر بين زينب بنت على وامرأة على ليلى بنت مسعود، وأخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر فقال: ليلى بنت مسعود النهشلية وأم كلثوم بنت على لفاطمة فكانتا امرأتيه وقوله لفاطمة أى من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعارض بين الروايتين فى زينب وأم كلثوم لأنه تزوجهما واحدة بعد أخرى مع بقاء ليلى فى عصمته، وقد وقع ذلك مبينا عند ابن سعد.

وذكر الزبير بن بكار عن عبيد الله بن أبى مليكة عن أبيه عن جده قال: دخل ابن أبى عمار وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز على نخاس، فعرض عليه جارية، فعلق بها، وأخذه أمر عظيم، ولم يكن معه مقدار ثمنها، فمشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه، وبلغ خبره عبد الله، فاشتراها بأربعين ألفا وزينها وحلاها، ثم طلب ابن أبى عمار، فقال: ما فعل حبك فلانة قال: هى التى هام قلبى بذكرها والنفس مشغولة بها، فقال: يا جارية أخرجيها فأخرجتها ترفل فى الحلى والحلل، فقال: شأنك بها، بارك الله لك فيها، فقال: لقد تفضلت بشئ ما يتفضل به إلا الله، فلما ولى بها، قال: يا غلام! احمل معه مائة ألف درهم، فقال: لأن الله وعدنا نعيم الآخرة فقد عجلت نعيم الدني.

ولعبد الله بن جعفر أخبار فى الجود والبذل وكان وافر الحشمة كثير التنعم، وممن يستمع الغناء، قال الواقدى ومصعب الزبيرى: مات فى سنة ثمانين، وقال المدائنى: توفى سنة أربع أو خمس وثمانين، وقال أبو عبيد: سنة أربع وثمانين.

شذرات الذهب السنة الأولى من الهجرة النبوية

على صاحبها أفضل صلاة وتحية قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ضحى يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وفيها توفى النقيبان: أسعد بن زرارة النجارى، والبراء بن معرور السلمى وفيها ولد عبد الله بن الزبير.

السنة الثانية

حولت القبلة، وذلك فى ظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، وفيه فرض الصوم، وفى سابع عشر رمضان منها يوم الجمعة كانت وقعة بدر، واستشهد من المسلمين أربعة عشر، ستة من قريش، وهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبى وعمرو بن أبى وقاص الزهرى وذو الشمالين وعاقل بن البكير ومهجع مولى عمر، وهو يمانى من عك بن عدنان، وهو أول قتيل قتل يومئذ، وصفوان بن بيضاء.

ومن الأنصار ثمانية: خمسة من الأوس، وهم: سعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر وزيد بن الحارث وعمير بن الجملة ورافع بن المعلى، وثلاثة من الخزرج وهم: حارثة بن سراقة، وعوف ومعوذ ابنا عفراء رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وقتل من الكفار سبعون، وفيها توفيت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى شوال منها دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، وفيها بنى على بفاطمة رضي الله عنهما، وفيها توفى عثمان بن مظعون القرشى الجمحى، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة بعد رجوعه من بدر، وقبله النبى صلى الله عليه وسلم وهو ميت وكان يزوره ودفن إلى جنبه ولده إبراهيم، وكان ممن حرم الخمر على نفسه قبل تحريمها، وكان عابدا مجتهدا، وسمع لبيد بن ربيعة ينشد (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) فقال: صدقت، فلما قال (وكل نعيم لا محالة زائل) قال: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: يا معشر قريش أكذب فى مجلسكم، فلطم بعض الحاضرين وجهه لطمة، اخضرت منها عينه، وذلك فى أول الإسلام، فقال له عتبة بن ربيعة: لو بقيت فى نزلى ما أصابك شئ، وكان قد رد عليه جواره، فقال له عثمان: إن عينى الأخرى لفقيرة إلى ما أصاب أختها فى سبيل الله.

السنة الثالثة

فى نصف رمضان منها ولد الحسن بن على رضي الله عنهما، وأما الحسين فمقتضى ما ذكروه فى مدة عمرهما وتاريخ ولادتهما أن يكون ولد فى الخامسة، ولم يظهر كما سيأتى من تاريخ وفاتهما ما يقتضى ما ذكروه فليتأمل.

وقال القرطبى: ولد الحسن فى شعبان من الرابعة، وعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ويؤيده ما ذكره الواقدى أن فاطمة علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وجزم النواوى فى التهذيب أن الحسن ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة، وقيل: لم يكن بين ولادتهما إلا طهر واحد.

وفى رمضان منها دخل صلى الله عليه وسلم بحفصة، ودخل بزينب بنت جحش، وبزينب بنت خزيمة العامرية أم المساكين، وعاشت عنده نحو ثلاثة أشهر ثم توفيت، وفيها تزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها تحريم الخمر، ووقعة أحد يوم السبت السابع من شوال، وصحح بعضهم أنها فى الحادى عشر منه، وقتل فيها سيدنا حمزة عم النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن قتل جماعة، وكان إسلامه فى السنة الثانية وقيل فى السادسة من المبعث، ولم يسلم من أخوته سوى العباس وكانوا تسعة وقيل عشرة وقيل اثنى عشر، ولما وقف صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ورأى ما به من المثلة، حلف ليمثلن بسبعين منهم، فنزل قوله تعالى: ?وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به? فقال: بل نصبر، وكفر عن يمينه، وفى ذى القعدة منها كانت غزوة بدر الصغرى.

السنة الرابعة