وروى عن مصعب بن عبد الله عن مالك قال: أحرم على بن الحسين فلما أراد أن يلبى قالها، فأغمى عليه وسقط من ناقته فهشم. ولقد بلغنى: أنه كان يصلى فى كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وكان يسمى: زين العابدين، لعبادته، ويروى عن جابر الجعفى عن أبى جعفر قال: كان أبى يصلى فى اليوم والليلة ألف ركعة فلما احتضر بكى، فقلت: يا أبت! ما يبكيك؟ قال: يا بنى إنه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرب ولا نبى مرسل إلا كان لله فيه المشيئة، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وعن طاووس قال: سمعت على بن الحسين وهو ساجد فى الحجر يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك، قال: فوالله ما دعوت به فى كرب قط إلا كشف عنى. وعن ابن عيينة عن أبى حمزة الثمالى قال: ان على بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره ويتبع به المساكين فى الظلمة ويقول: إن الصدقة فى سواد الليل تطفئ غضب الرب. وعن يونس بن بكير: عن محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات على بن الحسين، فقدوا ذلك الذى كانوا يؤتون بالليل. وعن جرير بن عبد الحميد عن عمرو بن ثابت قال: لما مات على بن الحسين وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل، وقال شيبة بن نعامة لما مات على وجدوه يعول مائة أهل بيت، قلت: لهذا كان يبخل، فإنه ينفق سرا، ويظن أهله أنه يجمع الدراهم، وقال بعضهم: ما فقدنا صدقة السر حتى توفى على. وروى واقد بن محمد العمرى عن سعيد بن مرجانة: أنه لما حدث على بن الحسين بحديث أبى هريرة: (من أعتق نسمة مؤمنة أعتق الله كل عضو منه بعضو منه من النار حتى فرجه بفرجه) فأعتق على غلاما له أعطاه فيه عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم. وروى حاتم بن أبى صغيرة عن عمرو بن دينار قال: دخل على بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد فى مرضه، فجعل محمد يبكى، فقال: ما شأنك؟ قال: على دين، قال: وكم هو؟ قال: بضعة عشر ألف دينار، قال: فهى على. وعن على بن موسى الرضا حدثنا أبى عن أبيه عن جده قال على بن الحسين: إنى لأستحيى من الله أن أرى الأخ من إخوانى، فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان غدا قيل لى: لو كانت الجنة بيدك لكنت بها أبخل وأبخل. وقال أبو حازم المدنى: ما رأيت هاشميا أفقه من على بن الحسين، سمعته وقد سئل:كيف كانت منزلة أبى بكر وعمر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأشار بيده إلى القبر، ثم قال: بمنزلتهما منه الساعة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى أبى فقال: أخبرنى عن أبى بكر؟ قال: عن الصديق تسأل؟ قال وتسميه الصديق؟ قال: ثكلتك أمك! قد سماه صديقا من هو خير منى، رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار فمن لم يسمه صديقا فلا صدق الله قوله، اذهب، فأحب أبا بكر وعمر وتولهما، فما كان من أمر ففى عنقى. وعنه: أنه أتاه قوم فأثنوا عليه فقال: حسبنا أن نكون من صالحى قومنا، وحدثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة الجمحى عن أبيه عن جده عن محمد بن على عن أبيه قال: قدم قوم من العراق فجلسوا إلىّ فذكروا أبا بكر وعمر فسبوهما ثم ابتركوا فى عثمان ابتراكا، فشتمتهم. وعن على بن الحسين قال: فقد الأحبة غربة، وكان يقول: اللهم إنى أعوذ بك أن تحسن فى لوائح العيون علانيتى وتقبح فى خفيات العيون سريرتى، اللهم كما أسأت وأحسنت إلى فإذا عدت، فعد على. قال زيد بن أسلم: كان من دعاء على بن الحسين: اللهم لا تكلنى إلى نفسى فأعجز عنها، ولا تكلنى إلى المخلوقين فيضيعونى. قال على بن الحسين: جاءنى رجل، فقال: جئتك فى حاجة، وما جئت حاجا ولا معتمرا، قلت: وما هى؟ قال: جئت لأسألك متى يبعث على؟ فقلت: يبعث والله يوم القيامة، ثم تهمه نفسه. وروى حسين بن زيد بن على عن عمه: أن على بن الحسين كان يشترى كساء الخز بخمسين دينارا، يشتو فيه ثم يبيعه ويتصدق بثمنه. وقال محمد بن هلال: رأيت على بن الحسين يعتم ويرخى منها خلف ظهره، وقيل: كان يلبس فى الصيف ثوبين ممشقين من ثياب مصر ويتلو ?قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق?. وقيل: كان على بن الحسين إذا سار فى المدينة على بغلته، لم يقل لأحد: الطريق ويقول: هو مشترك، ليس لى أن أنحى عنه أحدا، وكان له جلالة عجيبة، وحق له والله ذلك، فقد كان أهلا للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وكمال عقله. وقد اشتهرت قصيدة الفرزدق وهى سماعنا، أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة، فكان إذا أراد استلام الحجر، زوحم عليه، وإذا دنا على بن الحسين من الحجر، تفرقوا عنه، إجلالا له، فوجم لها هشام، وقال: من هذا؟ فما أعرفه؟ فأنشأ الفرزدق قصيدة فى حقه منها:
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقى النقى الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهى الكرم ينمى إلى ذروة العز التى قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضى حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم من جده دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم ينشق نور الهدى من نور غرته كالشمس ينجلي بإشراقها الظلم مشتقةٌ من رسول الله نبعته طابت عناصره والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
فأمر هشام بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان، وبعث إليه على بن الحسين باثنى عشر ألف درهم، وقال: اعذر أبا فراس، فردها وقال: ما قلت ذلك إلا غضبا لله ولرسوله، فردها إليه، وقال: بحقى عليك لما قبلتها، فقد علم الله نيتك ورأى مكانك، فقبله. وقال فى هشام:
أيحبسنى بين المدينة والتى إليها قلوب الناس يهوى منيبها قلب رأسا لم يكن رأس سيد وعينين حولاوين باد عيوبها
قال الواقدى وأبو عبيد والبخارى والفلاس: مات سنة أربع وتسعين، وروى ذلك عن جعفر الصادق وقال أبو جعفر الباقر: عاش أبى ثمانية وخمسين سنة، وقبره بالبقيع ولا بقية للحسين، إلا من قبل ابنه زين العابدين.