أحسن القصص

الصفحة 70

الإمام علي كرَّم الله وجهه

سيد القوم باب مدينة العلم والعلوم، رأس المخاطبات ومستنبط الإشارات، راية المهتدين ووليُّ المتَّقين، وإمام العادلين أقدمهم إجابة وإيمانا، وأقومهم قضية وإيقانا، وأعظمهم حلماً وأوفرهم علما، صاحب القلب العقول واللسان السؤول، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ادعو لي سيد العرب) يعني علي بن أبي طالب فقالت عائشة: ألستَ سيِّد العرب؟ قال (أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب).

وهو أوَّل هاشميٍّ ولد من أبوين هاشميين أبوه عم النبي صلى الله عليه وسلم وناصره وحاميه حزن عليه رسول الله لشدَّة حبِّه له، وأمُّه فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها وهي التي ربَّت رسول الله وهي التي نزل رسول الله في قبرها ودعا لها بأن يقيها الله ضغطة القبر.

لم يجتمع لأيِّ واحدٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزايا ما اجتمع للإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه حتى أن الإمام ابن الأثير تحدَّث عن فضائل الصحابة ولما أتى لسيرة الإمام عليٍّ كرَّم الله وجهه قال: ولكثرة فضائله رأينا أن نفرد كتاباً لها، وكان من المصائب التي وقعت في مجتمع أهل السنة أن بعض الذين جعلوا أنفسهم أوصياء على عقائد الناس أهملوا سيرته في مناهجنا ووسائلنا الإعلامية، وهو أعظم الصحابة مزيَّة. إن سيرة الإمام علي تكاد تكون مهملة لأنهم يعتقدون أن الإمام علي كرَّم الله وجهه هو إمام الشيعة وأنهم إذا تحدَّثوا عن فضائله نصروا المذهب الشيعي

من أسمائه حيدرة وهو الذي قال: أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة كليثِ غاباتٍ كريه المنظرة أكيلهم بالسيف كيل السندرة

وكنى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عليَّاً بأبي تراب حين وجده نائماً هو وعمَّار بن ياسر وقد علق به التراب فأيقظه عليه الصلاة والسلام برجله وقال: قم يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب.

ولد الإمام عليٌّ كرَّم الله وجهه في بيت الله الحرام لما دخلت السيدة فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها البيت لتطوف به فجاءها المخاض فولدته في البيت الحرام فما فتح عينه في الدنيا إلا في البيت المحرَّم المعظَّم إرهاصاً لما سيكون عليه حاله وما سيكون له من عظيم المنزلة عند الله ورسوله. قال العقَّاد: ولد عليٌّ في داخل الكعبة وكرَّم الله وجهه عن السجود لأصنامها، فكأنَّما كان ميلاده هناك إيذاناً بعهدٍ جديد للكعبة والعبادة فيها.

ثمَّ شاء له الله تعالى أن يكون ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذه رسول الله من والده أبي طالب ليُربِيَه فكان عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه يطعمه ويقوم بأمره لأنَّ قريشاً كان قد أصابه قحطٌ شديد، وكان أبو طالب رضي الله عنه كثير العيال فقال رسول الله لعمِّه العبَّاس:إنَّ أبا طالب كثير العيال والناس فيما ترى من الشدَّة فانطلق بنا فلنخفف من عياله،تأخذ واحداً وأنا واحدا فجاءا إليه فقالا: إنا نريد أن نخفِّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهما: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّاً فضمَّه إليه وأخذ العباس رضي الله تعالى عنه جعفراً فضمَّه إليه فلم يزل عليٌّ مع رسول الله. قال كَرَّم الله وجهه: ولقد علمتم مكانتي من رسول الله بالمنزلة الخصيصة والقرابة القريبة أخذني في حِجره وأنا وليد يكنفني في فراشه ويضمُّني إلى صدره ويُشمُّني عرفه ويُمسَّني جسده وكان يمضغ الشيء ثمَّ يُلقمنيه، ولقد كنتُ اتَّبعه اتَّباع الفصيل أثر أمِّه، يرفع لي في كلِّ يومٍ من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور كلَّ سنةٍ بحراء فأراه ولا يراه غيري. ولقد سمعتُ رنَّة الشيطان حين نزل عليه الوحيُ فقلت يا رسول الله ما هذه الرنَّة. فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنَّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنَّك لستَ بنبيٍّ ولكنَّك وزير وإنَّك لعلى خير. وفي خصائص العشرة للزمخشري (أنَّ النبيَّ ما شاء الله عزَّ وجلَّ. تولَّى تسميته بعلي وتغذيته أياما بريقه المبارك بمصِّه لسانه فعن فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله تعالى عنه أنها قالت: لمَّا ولدته سمَّاه عليَّاً وبصق في فيه، ثمَّ إنَّ ألقمه لسانه فما زال يمصُّه حتى نام، فلما كان من الغد طلبنا له مرضعة فلم يقبل ثدي أحد فدعونا ه محمداً فألقمه لسانه فنام، فكان كذلك ما شاء الله عزَّ وجلّ).

ولقد كنتُ معه صلى الله عليه وسلم لما أتاه الملأ من قريش فقالوا له يا محمد إنَّك قد ادَّعيت عظيماً لم يدَّعه آباؤك ولا أحدٌ من بيتك ونحن نسألك أمراً إن أنت أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنَّك نبيٌّ ورسول وإن لم تفعل علمنا أنَّك ساحرٌ كذَّاب فقال صلى الله عليه وسلم: وما تسألون؟ قالوا تدعو لنا هذه الشجرة حتَّى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك فقال: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير فإن فعل الله لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحق؟ قالوا: نعم. قال: فإني سأريكم ما تطلبون وإني لأعلم أنَّكم لا تفيئون إلا إلى خير وإنَّ فيكم من يطرح في القليب ويحزِّب الأحزاب ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم يا أيَّتها الشجرة إن كنتِ تؤمنين بالله واليوم الآخر، وتعلمين أني رسولُ الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بينَ يديَّ بإذن الله، فوالذي بعثه بالحقِّ انقلعت بعروقها وجاءت ولها دويٌّ شديد، وقصف كقصف أجنحة الطير، وقفت بين يدي رسول الله مرفرفة، وألقت بغصنها الأعلى على رسول الله وببعض أغصانها على منكبي وكنت عن يمينه، فلمَّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوَّاً واستكبارا: مرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها فأمرها بذلك فأقبل عليه نصفها كأعجب إقبال وأشدِّه دويَّا فكادت تلتفُّ رسول الله، فقالوا كفراً وعتوَّا فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره فرجع، فقلت أنا، لا إله إلا الله أنا أوَّل مؤمنٍ بك يارسول الله وأوَّل من أقرَّ بأنَّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى تصدِّقاً بنبوَّتك، وإجلالاً لكلمتك، فقال القوم كلُّهم بل ساحر كذَّاب عجيب السحر خفيفٌ فيه وهل يصدِّقك في أمرك إلا مثل هذا يَعنونني وإني لمن قومٍ لا تأخذُهم في الله لومةُ لائم.

وصفه كرَّم الله وجهه

جاء في الإصابة لابن حجر والاستيعاب لابن عبد البرِّ أنه كان ربعةً أميل إلى القصر، شديد السمرة، أصلع الرأس، ثقيل العينين في دعجٍ وسعة، حسن الوجه واضح البشاشة، أغيد كأنَّما عنقه إبريق فضة، عريض المنكبين، له مشاش عظام كمشاش السبع الضاري، لا يتبيَّن عضده من ساعده قد أدمج إدماجا، كبير البطن، يميل إلى السمنة من غير إفراط، ضخم عضلة الساق دقيق مستدَّقها، ضخم عضلة الذراع، شثن الكفَّين يتكمفَّأ في مشيته على نحوٍ يقارب مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مقدامُ في الحرب يُقدِم مهرولاً لا يلوي على شيء.

فضله كرَّم الله وجهه

سبق إلى الإسلام وهو لم يبلغ الحلم وهو القائل:

سبقتكمو إلى الإسلام طرَّاً صغيراً ما بلغتُ أوانَ حلمي

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: سُبَّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجَّار صاحب يس وعلي ابن أبي طالب وهو أفضلهم. وعن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: ما أنزل الله آيةً فيها: يا أيها الذين آمنوا إلا وعليٌّ رأسها وأميرها.

جاء في صحيح ابن ماجة: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا الصدِّق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كذَّاب، صلَّيت قبل الناس سبع سنين. وفي مسند الإمام أحمد أنَّ ابن مسعودٍ كان يقول: أوَّل شيءٍ علمته من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قدمتُ مكَّة مع عمومةٍ لي فأرشدنا إلى العبَّاس ابن عبد المطَّلب، فانتهينا إليه وهو جالسٌ إلى زمزم فجلسنا إلى جانبه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجلٌ من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة له وفرةٌ جعدة إلى أنصاف أذنيه، أقنى الأنف برَّاق الثنايا، أدعج العينين، كثُّ اللحية، دقيق المسربة، شثن الكفَّين والقدمين، عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام أمرد، حسن الوجه مراهقٌ أو محتلم، تقفوزه امرأةٌ قد سترت محاسنها فقصد الحجر واستلمه وفعل ذلك الغلام والمرأة وطافا معه، فقلنا يا أبا الفضل،؛ ما هذا الذي لم نكن نعرفه فيكم، أوَشيءٌ حدث؟ فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله والغلام الذي معه علي بن أبي طالب والمرأة هي زوجته خديجة بنت خويلد، أما والله ما على وجه الأرض من أحدٍ نعلمه يعبد الله بهذا الدين غيرُ هؤلاء الثلاثة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عليُّ أخصمك بالنبوَّة ولا نبوَّة بعدي، وتخصم الناس بسبعٍ ولا يحاجُّك فيها أحدٌ من قريش، أنتَ أوَّلهم إيماناً بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسويَّة وأعدلهم في الرعيَّة، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مرزية.، وعن أبي سعيدٍ الخدري قال: يا عليُّ لك سبع خصال لا يحاجُّك فيهنَّ أحدٌ يوم القيامة أنت أوَّل المؤمنين بالله إيمانا وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأرفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعلمهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية.وقال صلى الله عليه وسلم لعلي كرَّم الله وجهه: مرحباً بسيِّد المسلمين، وإمام المتَّقين. فقيل لعليٍّ: فأي شيءٍ كان من شكرك؟ قال: حمدت الله تعالى على ما آتاني، وأن يزيدني مما أعطاني. وعن أنس بن مالك: قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى إلى أبي برزة الأسلمي فقال له وأنا أسمع: إنَّ ربَّ العالمين عهد إليَّ عهداً في عليِّ بن أبي طالب؛ فقال: إنه راية الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، ونورُ جميع من أطاعني، يا أبا برزة علي بن أبي طالب أميني غداً في القيامة، وصاحبُ رايتي في القيامة على مفاتيح خزائن ربي.

وعن أبي برزة: إنَّ الله عهد إليَّ عهدا في علي فقلتُ ياربِّ بيِنه لي، فقال: إنَّ عليَّاً راية الهدى، وإمام أوليائي ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتَّقين، من أحبَّه أحبَّني، ومن أبغضه أبغضني، فبشِّره بذلك فبشَّرته، فقال لي: يا رسول الله أنا عبد الله وفي قبضته، فإن يعذِّبني فبذنبي، وإنْ يتمَّ الذي بشرتني به فالله أولى بي.

لعلي: يا علي إنَّ الله أمرني أن أدنيك وأعلِّمك لتعي.