أحسن القصص

الصفحة 70

من أقواله وعباراته الشريفة

كان السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه يحدِّث كلَّ أحد عن مشربه، فيحادث أرباب القلوب بما يشاء من علم الغيوب وسرِّ المحبوب، ويحادث المريدين بقوانين الشرع وحسن الأدب ولزوم الطاعات، ويحدِّث أرباب القوَّة والعظمة بالموعظة، ويرغِّب أهل البدايات إلى الأعمال الصالحة وحسن الظنِّ واليقين ومحبّة الصالحين والتمسُّك بشعار الدين، ويحدِّث العوام بحكايات الأوَّلين وقهر المتجبِّرين وما جرى للمتكبِّرين.

روي أن السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه خرج ذات يوم في بعض البساتين ليتوضأ، فنظر إلى نخلة والتمر معلَّق برأسها وكان معه الشيخ يعقوب بن كراز رضي الله عنه فقال له: يا يعقوب انظر إلى هذه النخلة حيث رفعت رأسها جعل الله ثِقَلَها عليها ولو حملت ما حملت، وانظر إلى اليقطين (القرع) حيث وضع نفسه حمل ثقله غيره. وقد ضرب الشيخ رضي الله عنه المثل بالنخل واليقطين للمتكبِّر والمتواضع.وكان رضي الله عنه يقول: تجارتي مع الأرامل والأيتام وفرحتي في خدمتي لهم.

وكان رضي الله عنه يقول من ليس له شيخ فشيخه الشيطان، وإن المريد لينال من الله تبارك وتعالى ببركة شيخه بقدر ما تأدَّب وحفظ الحرمة وراقب السر.

وقال رضي الله عنه النبيُّ شجرة والوليُّ بقلة وكم تحت هذه الشجرة من بقلة.

وسئل رضي الله عنه عن قوله تعالى {يحبهم ويحبونه} فقال: يحبهم بلا ملل ويحبونه بلا علل، يحبهم بلا ملل أبد الآباد زمانا لا ينقضي وما له من نفاد،يحبُّونه لا رغبة في الجنَّة ولا خوفاً من النار، يحبُّهم وفاً ويحبُّونه صفا، يحبُّهم بالعصمة يحبُّونه بالخدمة،، يحبُّهم بالتوفيق يحبُّونه بلا تعويق، يحبُّهم هداية يحبونه دراية، يحبُّهم بالأمان يحبونه بالإيمان.

وسئل رضي الله عنه عن السماع (الاستماع للإنشاد) فقال: يا سادة السماع سرٌّ ما وصل إليه إلا القليل من العارفين، وخصَّ به أقواماً استذلهم الخلق استقبلهم الحقُّ وأظهر على ما يصل إليه كثير من أهل الاجتهاد بالعناية القديمة، وذلك لأجل نظره سبحانه وتعالى لاستحقار الخلق لهم، وانكسار قلوبهم وذلُّ أنفسهم، فأسمعهم القول بإسماع القلوب عن بساط القرب من غير حضور النفس، فمنهم من سمع بأذنه، ومنهم من سمع بقلبه، ومنهم من سمع بروحه، لهم في كلِّ صورة مليحة وحركة لطيفة حظ من أوراد الغيب، وكذاك في كلِّ هبوب ريح لذة، فهم والِهون حيارى، مفتقرون أسارى، خاشعون سكارى.وإلى هذا المعنى ذهب سيِّدي بن الفارض رضي الله عنه:

تراهُ إن غاب عني كلُّ جارحةٍ في كلِّ معنىً لطيفٍ رائقٍ بهجِ في نغمة العود والناي الرخيم إذا تمازجا بين ألحانٍ من الهزج وفي مسارح غزلان الخمائل في بَردِ الأصائل والإصباح في البلج وفي مساقطِ أنداءِ الغمامِ على بساطِ نَورٍ من الأزهار منتسجِ وفي مساحبِ أذيال النسيم إذا أهدى إليَّ سُحيراٍ أطيب الأرج

وسئل رضي الله عنه وقيل له: يا سيدي سمعنا أن محمداً كان يسبق جبرائيل عليه السلام وقت نزوله بالوحي، فهل كان يُعرف قبل ذلك للقرآن أمر؟ قال رضي الله عنه: تكلَّم الحقُّ سبحانه وتعالى بالقرآن المجيد قبل خلق السموات والأرض، وكتبه في اللوح المحفوظ،فلما خلق الله تعالى روح محمد عرض القرآن المجيد على روحه،، فتمَّثل على قلبه، فلما ظهر إلى الدنيا وبعث بالرسالة، ونزل عليه الوحي على لسان جبريل عليه السلام تذكَّرت روحه الكريمة ذلك العرض السابق، فجرى القرآن على لسانه فنطق به، فأنزل الله تعالى {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه} أي ذلك الكتاب الذي عرضناه على روحك الشريفة. وقد ذكر سيدي الشيخ محمد عثمان عبده (مثل هذا الكلام في كتابه تبرئة الذمة في نصح الأمة ونسبه إلى الشيخ عبد الرزاق رضي الله عنه في كتابه (جنة الخلد) والشيخ عبد الرزاق هو شيخ الإمام البخاري رضي الله عنه.

سئل عن لون الهوى فقال: لونه أخضر. فقال السائل: ما الدليل على ذلك؟ فقال رضي الله عنه يا ولدي الدليل على أنه أخضر أن النفس تتنزَّه فيه من الكروب، وأنه ترتاح إليه القلوب كما ترتاح إلى الخضرة.وقال رضي الله عنه للشيخ يعقوب يوصيه: يا شيخ يعقوب لا تنظر إلى عيوب الخلق، فإنك إن نظرت إلى عيوبهم أظهر الله فيك جميع العيوب، وإذا صدر من أخيك عيب فاصفح الصفح الجميل، واستر الستر الجليل، وعامل عباد الله بالصلاح والنصح والتقوى، وكن مع الخلق بالأدب فإنَّ الأدب مع الخلق أدب مع المولى، وقليل من الأدب خير من العمل الكثير.وقال : من ليس له شيخ فشيخه الشيطان، وإن المريد ينال من الله سبحانه وتعالى ببركة شيخه بقدر ما تأدَّب له وحفظ الحرمة وراقب السر.

ولا تعرفنْ في حضرةِ الشيخِ غيرَه ولا تملأنْ عيناً من النظرِ الشزرِ

وكان رضي الله عنه يعمل كلَّ شيءٍ بنفسه ويقول: أنا اخترت الخدمة فكيف يكون للخادم خادم !

وقال رضي الله عنه في الذين يحسدونه: إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهمو ومات أكثرُهم غيظاً بما يجدُ وقال في وجوب كتمان السر عند المكاشفة: ومستخبري عن سرِّ ليلى رددته بعمياءَ من ليلى بغير يقينِ يقولون خبِّرنا فأنتَ أمينُها وما أنا إنْ خبَّرتهم بأمينِ وقال في ترقي المريد والعابد من حال إلى حال قدر اجتهاده: ما زال من وطنٍ يُهدى إلى وطنٍ حتى استقرَّ له في الصدقِ أوطانُ

وقال رضي الله عنه يصف حاله الشريفة: جمعتُ علومَ الحالِ في كلِّ حالةٍ وتممتُ معنى العلمِ في حالةِ القُربِ وطاولتُ أعلامَ الرجالِ ولم أزلْ أطولُ إلى أن جزتُ من حضرة الربِّ وفقتُ كبارَ القوم في كلِّ مذهبٍ وصرتُ بلا ثان إلى مذهب الحبِّ ولازمتُ بابَ المصطفى في طريقِه على المنهج المعلومِ في أوضحِ الكُتْبِ فسِرْ سيرتي يا صاحِ والزمْ حقيقتي لتنجو إذا صارَ المصارُ من الكربِ وصلِّ وسلم في المعاني وفي الهوى على ترجمان القلب في حضرة الربِّ محمدٍ المختار والآل من لهم علوُّ شريف القدر في العُجْمِ والعُرْبِ

وقال رضي الله عنه يفتخر بالنسب الشريف:

أنا ابن من قام يهدي للوجود وقد ش عثمان عبده رضي الله عنه حيث يقول: الصالحون إذا تلقوا منحةً عكفوا عليها سجَّداً وقياما

وقال رضي الله عنه: من اللازم للفقير أن يتقيد بملابسة الكمالات وتقييدها، وبتحصيلها من أي موضع حلَّ به، وسار إليه، حتى أنه يصير في كلِّ وقت في ازدياد من الكمالات وقد ورد في الحديث الشريف (من تساوى يوماه فهو مغبون) وقال رضي الله عنه: لا تخالط أحداً لأجل الدنيا ولا تعامله ولا تصاحب أحداً من أهلها كي لا يحصل لك من مجلسه وملازمته نقصان.

هذا قبسٌ من نور سيِّدي أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه وثمرة من قطوفه الدانية نفعنا الله به و اوردنا مورده الشريف.