خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 8

الخطاب الذى وجهه مولانا الإمام الشيخ محمد إبراهيم محمد عثمان شيخ الطريقة الى الأمة الإسلامية مساء الأربعاء الرابع من شهر أبريل عام 2007

بِسم اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

الحمدُ للهِ الذى أَوْلانَا بِحَمْدِهِ واسْتَعْمَلَنا فى مَزِيدِ شُكْرِهِ، لَهُ الْحَمْدُ فى الأُولَى والآخِرَةِ على مُوجِبَاتِ حَمْدِهِ ومَزِيدِ نَعْمَائِهِ وَفَضْلِهِ، الواحِدُ الأحَدُ الكَبِيرُ الْمُتَعَالْ، الذى بِعَوْنِهِ كُلُّ خَيْرٍ يُنَالْ وكُلُّ شَرٍّ يُزَالْ، أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْكَمَالْ، لِيُظْهِرَهُ على كُلِّ الأَقْوَالْ، وَيُبْطِنَهُ فى أَهْلِ الأحْوَالْ، والصَلاةُ والسَلامُ على أَحْمَدِ السَجَايَا مُحَمَّدِ الْخِصَالْ، شَفِيعِ الْبَرَايَا سَلِيمِ النَّوَايا والْفِعَالْ، مَنْ بِنُورِهِ يَهْتَدِى أَهْلُ الْوِصَالْ وفى غَيَاهِبِهِ شَتَّانَ الضَّلالْ:

شَتَّانَ بينَ ضَلالةٍ مِنْ شِقْوَةٍ وضَلالِ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشارِبينَ

الأحباءُ فى الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

يقولُ الحقُّ تَبارَكَ وتعالى] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [[1].

قال الإمامُ الطبرى عن ابن عباس: كان الرجلُ إذا أراد أن يهاجر من مكةَ إلى المدينةِ تَمْنَعُه زوجَتُهُ وولدُه، ولَمْ يَألوا يُثَبِّطُوه عن ذلكَ، فقال الله: إنهم عدوٌ لكم فاحذروهم واسمعوا وأطيعوا، وامضوا لِشَأنكم، فكان الرجل بعد ذلك إذا مُنِع وثُبِّط مَرَّ بأهْلِهِ وأقْسَمَ، والقَسَمُ يمين لَيفْعَلَّنَ ولَيُعاقِبَنَّ أهلَه فى ذلك، فقال الله جل ثناؤه] وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [. ولذلك فإن الخدمةَ لدينِ رسول الله تحتاج إلى رجال يَهِبون أنفسَهُم لله ورسولِه لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكرِ الله ولا تلهيهم أولادُهم ولا نساؤهم عن خدمة دين الله فى غير إخلالٍ بالحقوقِ والواجباتِ، وأخرجَ الحاكمُ وصحَّحَه والبيهقى فى الأسماء والصفات عن أبى موسى الأشعرى ?أن رسولَ الله قال: من أحَبَّ دُنياه أضَرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثِروا ما يبقى على ما يفنى?.

ويقول الحق أيضا] وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [[2].

وفى هذا يقول حجة الإسلام الإمام الغزالى فى الإحياء من حديث سيدِنا محمد بن الحنفية عن الإمامِ على كرَّمَ َالله وَجْهَهُ: لما نزل قوله تعالى] فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [قال النبى: يا جبريل وما الصفحُ الجميل؟ قال عليه السلام: إذا عفوت عمن ظلمك فلا تُعاتِبَه فقال: يا جبريل فالله تعالى أكرمُ مِنْ أن يُعاتِبْ مَنْ عفا عنه، فبكى جبريل وبكى النبى، فَبَعَثَ الله تعالى إليهما ميكائيل عليه السلام وقال: إن ربَّكُما يُقرئكُما السلام ويقول: كيف أعاتبُ من عفوتُ عنه، هذا ما لا يُشبه كرمى. ويقول العزيز الحكيم] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ % وَلا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ % وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيم [ٍ [3] وقوله تعالى] فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ [أى قريبٌ صديق، قال مقاتل: نزلت فى أبى سفيان بن حرب، كان مؤذيا للنبى، فصار له وليا بعد أن كان عدوا وذلك بالمصاهرة التى وقعت بينه وبين النبى وزواجه بالسيدة حبيبه بنت أبى سفيان، ثم أسلم فصار وليا فى الإسلام حميما بالقرابة، ولله در القائل:

سَأُلْزِمُ نفسى الصفحَ عن كلِ مذنبٍ وإنْ كَثُرَتْ منه لدى الجرائمُ فما الناسُ إلا واحدٌ من ثلاثةٍ شريفٍ ومُشَرَّفٍ ومِثْلِ مُقَاوِمُ فأما الذى فوقى فأعرفُ قَدْرَهُ وأتْبَعُ فيه الحق والحقُّ لازمُ وأما الذى دونى فإن قال صُنْتُ عن إجابَتهِ عرضى وإن لام لائمُ وأما الذى مثلى فإن زَلَّ أو هفا تَفَضَّلْتُ إن الفضلَ بالحلمِ حاكمُ

وقد ثبت فى الصحيح: أن رسول اللّه ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات اللّه، وفى حديث آخر كان رسول اللّه يقول لأِحَدِنا عند المعاتبة: ?ما له تَرِبَتْ يمينُه?. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِى غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِى فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِى وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِى مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.

وأخرج صاحبُ (كنز العمال) عن رَسُولِ اللَّهِ قال إن جبريلَ جاءنى فى أحسنِ صورةٍ، لم ينزل فى مِثلِها قَطْ ضاحكا مستبشرا، فقال: السلام عليك يا محمد، قلت: وعليك السلام يا جبريل، قال: إن الله عز وجل بعثنى إليك بهدية، قلت: يا جبريل وما تلك الهدية؟ قال: كلماتٌ من كنوز تحت العرشِ، أكرمك الله تعالى بهن، قلت: وما هُنَّ؟ قال: قل يا من أظهرَ الجميلَ وسترَ القبيحَ يا من لا يؤاخِذُ بالجَريرةِ، ولا يَهْتِكُ السِتْرَ يا عظيمَ العفو، يا حَسَنَ التجاوز، يا واسعَ المغفرة، يا باسطَ اليدين بالرحمة، يا صاحبَ كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا كريمَ الصفح، يا عظيمَ المنَّ يا مبتدئَ بالنعمِ قبل استحقاقها، يا ربنا، ويا سيدنا، ويا مولانا، ويا غاية رغبتنا، أسألك يا الله أن لا تَشْوى خَلقى بالنار.

وروى مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: ?تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئاً إِلاّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا?. والمعروف أن الشحناءَ هى العداوةُ بكل صورِها والتظالمُ فى كل معانيه الذى نهانا عنه المولى تبارك وتعالى والنبى، ومن أسوأ صورها الإقتتالِ باليد حتى ولو كان لأخذ الحقوق وفى هذا نزل قوله تعالى:] وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [قال قتادة: نَزَلَتْ فى رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة فى حق بينهما فقال أحدُهما: لآخذن حقى عُنوة، لكثرة عشيرته، ودعاه الآخر إلى أن يحاكمه إلى رسول الله فأبى أن يتْبعَهُ، فلم يزل الأمر بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم بعضا بالأيدى والنعال. وإن أخذ الحق باليد لهو عدول عن رد الأمر لله ورسوله وأولى الأمر، وبذلك تعم الفوضى ويسود التظالم بين الناس الذى قال فيه سيدى فخر الدين:

إِنَّ التَّظَالُمَ بُؤْرَةُ الإِظْلامِ مَا ضَرَّ لَوْ بَاتَ الْمُحِبُّ وَقَدْ عَفَا وَعَلَيْهِ جَفْوَةُ قَاطِعِى أَرْحَامِى مَا سَرَّ لَوْ بَاتَ الْمُحِبُّ مُغَاضِبًا

وإن أولى الناس بطريق أبى العينين الذى رد تنازُعه إلينا وكفاه حُكْمَنا لتوحيدِ الوجهةِ والأنظارِ وإن أبعد الناس منا من أخذ حقه بيده ولم ينظر إلينا بعين الإعتبار، وصفحا لمن تاب وآب وترك العناد والإصرار كما قال سيدى فخر الدين:

وَكَفَاهُ حُكْمِى وَحَّدَ الأَنْظَارَا مَنْ رَدَّ أَمْرًا كَانَ فِيهِ تَنَازُعٌ

وقال يعرب بن قحطان يوصى أبناءه الأقيال وهو أول ناطق بالعربية:

عليكمْ بالتواضعِ لا تزيدوا على فضلِ التواضعِ من مزيدِ وإِن الصفحِ أفضلُ ما ابتغيتمْ به شرفاً من الملكِ العتيدِ

وبعد أن استعرضنا صنوفا من الصفح نود أن نُبرزَ منقبةً جليلةً للشيخين صاحبى الذكرى، فإن سيدى فخر الدين كُنِّىَ فى الحضرتين بفخر الدين وتلك الكُنْيَةُ حازها نسبا موقرا لإنتسابه للبيت النبوى الشريف وانتسابه لبرهان الملة والدين السيد أبى العينين الدسوقى، وافتخر به أهل الحضرتين لسطوع برهانه فى العقائد التى اضطربت فى قلوب العامة من المسلمين عن علو قدر النبى فكانت دروسه وكتبه خيرَ دليل على تَبْصِرة أولى الألباب للسير إلى الصواب. أما ما اشتهر به فإنه شيئٌ آخر، فما اشتهر بكفالة الأيتام مع انها كانت دَيْدَنه وما اشتهر بكرامات باهرة بالرغم من أنها ظاهرة وكثيرة، بل اشتهر بالصفح الجميل فى كل أحواله وهو يخبرنا بثبوت تلك المكرمة فى ديوانه شراب الوصل:

قُلْتُمْ كِرِيمًا يَوْمَ مَكَّةَ إِنَّنِى أَعْفُو وَأَصْفَحُ وَالسَّبِيلُ يُضَاءُ

وقال أيضا:

صَفْحًا إِذَا آبَ الْمُسِاءُ بِتَوْبَةٍ بَيْنَ الرِّجَالِ عُرِفْتُ بِالصَّفَحَاتِ

وقال أيضا:

فَحَيَّا اللهُ عَبْدًا ظَنَّ خَيْرًا فَبِالصَّفْحِ الْجَمِيلِ قَدِ اشْتَهَرْتُ

وقال أيضا:

أَلاَ إِنَّ مَوْلاَنَا الْحُسَيْنَ لَشَاهِدٌ شُهُودَ عَيَانٍ كَمْ أَجُودُ بِصَفْحَتِى

ولقد سار سيدى الشيخ إبراهيم على دربه فى الصفح ولكن بطريقته الخاصة فلكل وَلى نهجُهه فى تأديب أبناءه أو الرد على معارضيه، كما يحكى ويقول سيدى عبد الوهاب الشعرانى: حكى لى الأخ الصالح الشيخ شعيب خطيب جامع الأزهر رحمه الله قال: دخلت على الشيخ جلال الدين السيوطى وهو محتضر فَقَبَّلْتُ رِجْلَهُ وسألته الصفح عمن كان آذاه من الفقهاء، فقال: يا أخى قد سامحتَهُم من حين وقعوا فى حقى، وإنما أظهرت لهم التشويش والعداوة وصنفت كراريس فى الرد عليهم لئلا يتجرؤا على أعراض غيرى من الناس، فقال الشيخ شعيب، وهذا هو كان الظن بكم.

وهكذا أخبر سيدى فخر الدين واصفاً عن سرائر مولانا الشيخ إبراهيم وهو أدرى الناس بها:

فَإِنِّى وَإِبْرَاهِيمُ فِى الأَصْلِ وَاحِدٌ إِذَا طَلَبُوا صَفْحًا فَلا شَكَّ صَافِحُ

وليسأل كلٌ منا نفسه هل له نصيب مما اشتهر به مشايخنا الكرام الأجلاء أم أننا نقرأ كتاب الله الكريم وأحاديث الحبيب وقصائد شراب الوصل التى هى دستورنا فى فهم الكتاب والسنة بغير تدبر أو تعقل. فقد ورد أن سيدنا عبد الله بن مسعود بعد أن عاد من الشام وطاف بالبيت صلى ركعتين فأخبره الناس أن الخليفة سيدنا عثمان بن عفان قد صلى أربع ركعات، فقال ابن مسعود إنا لله وإنا إليه راجعون فقد كنا نصلى ركعتين على عهد النبى ثم قام فصلى أربع ركعات، فلينتبه كل ذى لب كيف يتبع.

أما عن المودة فى القربى التى أوْضَحَتْهَا أبيات الفرائد من شراب وصل القصائد، والتى اتخذنا منها لحولية الشيخين شعارا ودثارا إذ يقول:

إلا المودةَ ما سألنا حِبَّنا إن المودة رفعةٌ ورشادُ

وقال أيضا:

بالعدل والإحسان إنى آمرٌ ولدىَّ ذى القربى لها إيتائى

وأصل ذلك قول الحق تبارك وتعالى] ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ [[4].