خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 29

إذا أردت أن تهدم حضارة أمة فهناك وسائل ثلاثة:

الأولى هدم ا?سرة:

بتغييب دور (ا?م) بأن تجعلها تخجل من وصفها بـ"ربة بيت" وهذا ما حدث عند من نادى بالتحرر والسفور، وغياب رب الأسرة لما فيه من أثر عظيم فى تربية الأبناء وتقويمهم.

الثانية هدم التعليم: ويكون بتهميش دور المعلم فى المجتمع وتقليل مكانته حتى يحتقره طلابه، وعدم الإهتمام بتنشئة الأجيال القادمة ورعايتها وإعطائها الفرص الجيدة للتعليم مما يزيد من التطور والعطاء.

الثالثة: سقوط القدوة والمرجعية بالتشكيك فى العلماء والأولياء والطعن فيهم.

فإذا اختفت (ا?م الواعية) واختفى (المعلم المخلص) وسقطت (القدوة والمرجعية) فمن يربى النشئ على القيم ويرشدهم للمبادئ والقيم؟!!

أحبابى فى رسول الله ..

قال تعالى:] وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [107 الأنبياء - نبى الرحمة الذى حض على استعمال الرَّحْمَة والعطف على جميع الخلق من جميع الكائنات والحيوانات، على اختلاف أنواعها فى غير حديث، وأشرفها الآدمى وإن كان كافرًا، لأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب، ويستر به العيوب ويقربنا للمحبوب إن شاء الله، فكن راحما لنفسك رحيمًا لغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذَّليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب النَّاس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه، والرَّحْمَة على عباده، رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه، وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته. إن المُتأمل للواقع المُخجِل الذى تعيشه الأمة لَتعتريه حسرات، وتُبلّل قلبَه عبرات، من هرولةٍ فارغة نحو ثقافات الغير، بدعوى التنوير والتحرُّر، وكأننا مُصفَّدون بأغلال الدِّين والعياذ بالله؛ فالمؤمن يرى فى منهج السلف والتسليم به نبراسًا لحياته، فهو يراه العنوان الأمثل لحياته، ولِمَ لا وهو المنهجُ الذى دلَّنا عليه القرآن الكريم، وأرشَدنا إليه خير الأنام صلوات الله وسلامه عليه؟! قال الله تعالى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [24 الأنفال - فالتقرب إلى الله بالطاعات والابتعاد عن المعاصى والاجتهاد فى العلم والعمل يمثل الحصن المنيع ضد انحرافات الفكر والسلوك، كما أن محاولات التغريب المستمرة لهويتِنا ومبادئنا الإسلامية السامية، بدعوى التحرُّر من قيود، يراها المهرولون نحو الغرب أدواتِ تعجيز، مع أنها فى الأصل أدواتُ إعجاز يميِّز دينَنا وقِيَمَنا، ويضع الإنسانيةَ شكلًا وموضوعًا موضعَ تقديرٍ وتوقيرٍ واحترام، مع مراعاةِ مواكبة الثقافات المعاصرة، بالقدر الذى يُضيف ولا ينقص، ويعلو ولا يهبط، ويساير ولا يغاير، ثوابتنا وثقافتنا، فلا شاء يعلو فوق الدِّين، بل لا شاء يُضاهيه؛ إذ المنطقُ يقتضى من المؤمن التسليمَ لله تعالى ورسوله e فكمالُ التسليمِ من كمالِ العقل، والمخالفة تدلُّ على اتباع الهوى، قال الله تعالى {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [29 الروم.

ولمّا كان أشرف الأعمال على الإطلاق (الدعوة إلى الله) فاختار لها أشرف الخلق. فالطريق إلى الله أيها الأحباب (حبٌ وطاعةٌ) لأن الطاعة القائمة على الحب تأتى من القلب وليس (سمعاً وطاعةً) فقط، لأن الطاعة المبنية على السمع بغير حب قد تؤدى إلى النفاق، والنفاق يؤدى إلى الشقاق والعياذ بالله، وصدق الله العظيم حين قال] فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [65 النساء.

ثم نجد البعض قد خلط ما بين الطاعة والمودة فى كتاب الله تعالى، فالكتاب الكريم قد حصر الطاعة لثلاثة (الله ورسوله وأولى الأمر) فجمع سبحانه ذاته مع الحبيب فقال جل شأنه فى عدة آيات:

] أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [32 آل عمران

وتارة أخرى جمع ما بين ذاته وحبيبه وأولى الأمر فقال عز من قائل] أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنْكُمْ [59 النساء

وتارة أنزلها لحبيبه فقط e فقال سبحانه] وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [56 النور.

أما المودة فقال سبحانه وتعالى] قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى [23 الشورى - فلماذا الخلط ما بين الطاعة والمودة، فالطاعة كل الطاعة لله وللرسول وأولى الأمر، أما أهل البيت فحقّت لهم المودة، وصدق الحبيب صلوات ربى وسلامه عليه حين قال {الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته} فهلا وجدتم سابقا من ساوى بين الحبيب وغيره سواء من الصحابة أو من أهل البيت!! وما أكثر الحديث عن (توحيد القبلة) ولكن هيهات هيهات .. كلٌ يؤولها بفكره بل ويعضد كلامه ببعض من أبيات الإمام على مراده لا على مراد الإمام .. فلقد مررنا بفترة كثر الحديث فيها عن أهل البيت ولم يعلق أحد على هذا الكلام، وفى فترة انتشار الحديث عن (توحيد القبلة) كثر الكلام واللغط .. بل وزاد التأويل فنجد من أضاف بحسن الظن منقصة، الأمر الذى نهانا عنه الإمام فخر الدين t، فنجد من قال عن توحيد القبلة كلهم واحد فجعل للطريقة أشياخ نتيجة للخلط، وقلنا سابقاً:

صَاحِبُ الْعَزْمِ وَاحِدٌ لَا بِعَزْمٍ ... مَا إِلَى غَيْرِهَا يَجُوزُ انْثِنَاءُ

فلماذا ولمصلحة من؟ هل عصبية أم قبلية أم أردتم بها بضعٌ وسبعين، فكفوا ثم كفوا فالهوى أهوى كثيرا.

أيها الكرام ..

من الرحمة الألفة والموافقة، وقال فيهما الحبيب المحبوب صلوات ربى وسلامه عليه {الأرواحُ جنودٌ مجنَّدَةٌ، فما تعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تناكَرَ منها اختَلَفَ} الإمام أحمد في المسند - وكنى بعض العلماء عن الألفة فقال: إن الله تعالى خلق الأرواح، ففلق بعضها فلقا، وأطافها حول العرش فأى روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تَوَاصَلا فى الدنيا.

إذً الائتلاف والتعارف ينتج عن تناسب فى الطباع والأخلاق، وعن سيدنا معاذ بن جبل: قال سمعت رسول الله e يقول: المتحابون فى الله فى ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله يفزع الناس ولا يفزعون ويخاف الناس ولا يخافون.

إن الحب فى الله والبغض فى الله أمران لا ينكشفان إلا بالصحبة، وهى المجالسة والمخالطة والمجاورة، ونجد الطباع هى التى تكشف عن المؤمن والمنافق، وكل منهم ينجذب لمثله فلو أن مؤمنا دخل مجلسا فيه مئة منافق ومؤمن واحد، لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقا دخل إلى مجلس فيه مئة مؤمن ومنافق واحد، لجاء حتى يجلس إليه. فالصحبة لا تصلح لكل إنسان، فالمرء على دين خليله، ويقول الإمام الفضيل (نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة) فالخير كل الخير للرحماء أصحاب الأخوة والألفة، وهذه الرحمة لا ينزعها الله إلا من قلب شقى، فكونوا أصحاب ألفة ومودة ورحمة فالخير كل الخير للرحماء لأن غاية الرحمة الوصول إلى التوحيد الخاص، لأنه e الرحمة الخاصة للعالمين عامة ويقول سيدى أبو العباس المرسى: الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا e هو عين الرحمة.

فأين التراحم يا بنى فإنه عذب صفى من شراب الكمل، فمن لم يجد قلبا له أو وجهة يخشى عليه، فانظروا فإن من رحمته سبحانه وتعالى أن قال] وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [33 الأنفال - ومازال فينا سنةً وخلافةً .. وصدق الإمام فخر الدين رضى الله تعالى عنه (كن راحما فالخير للرحماء) فلتعقلوا يا أيها الثقلان ودعوا الراعى يقود إلى الثواب.

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وكل عام وأنتم بخير