خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 27

أيها الأحباب .. يقول سبحانه وتعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا 36} الإسراء، اعلم وفقنا الله وإياك أن العُمرَ أنفاسٌ معدودة، وأوقاتٌ محدودة، وضياعُ الوقتِ إضاعةٌ للعُمر، وإهدارُ الأوقات إهلاكٌ للنفوس، وهذا الضياعُ والإهدارُ ينعكِسُ على الإنسان أمراضًا فى النفس، وضجَرا فى الحياة، وسُوءًا فى الأخلاق والسلوك، واضطِرابًا فى العلاقات، وضعفًا فى التحصيل، وضياعًا للمسؤوليات .. فوسائل التواصل الحديثة لها من المنافع الكثير والكثير مثل نقل المعلومة وسرعة التواصل، ومع ذلك فإن لها كثيرا من المسالب، فلا يصح أن تُنْشَر أو تُبَث الخصوصيات من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، فليس كل ُما يُعْلَم يُكتَب، ولا كل ما يُعلَم يُقال، وليس كلُّ ما يُرَى يُصَوَّر، ولا كل ما يُصَوَّر يُنشَر -لا دينًا ولا مروءةً ولا حِكمةً- فإن مُريدَ الخيرِ لا تُعجِزُه الطرقُ النافِعة، أو الوسائلُ المفيدة لنفعِ نفسِه، وإفادَة غيرِه، ومن سلبيَّات هذه الوسائِل أيضا: المُجاهرةُ بالذنوبِ والمعاصِى، ومقترفها مُشيعٌ لفاحشةٍ، وناشِرٌ لمعاصٍ {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا 108} النساء، وقد تكونُ المُجاهَرةُ بالإثم أعظمَ من فِعلِه؛ ذلكم لأن مقصودَ المنع من المُجاهَرة تعظيمُ الذنب، وعدمُ الاستِخفاف به أو التهاوُن فيه، لما فى المُجاهَرة من دعوةِ الناس إلى الفُجور، وتسهيلِ الإثم، وفى الحديث {كُلُّ أُمَّتِى مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ فِى اللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ يَبِيتُ فِى سِتْرِ رَبِّهِ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ} انظر صحيح البخارى ومسلم، وعملاً بقوله ... {حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله) وعن ابن مسعود قال {ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة}.

أيها الأحباب .. يقول الله تعالى {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ` وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ 9}، 10 فصلت، يعانى العالم اليوم من مشاكل كثيرة فى الموارد الطبيعية لاسيما المياه العذبة، ولكن تبقى الفرص لإيجاد حلول شافية متاحة إذا عملت الدول على ذلك، ويتضح لنا من النص القرآنى بأن الحق سبحانه وتعالى خلق الكون بقدر معلوم وحساب دقيق، وكلنا يعلم أن أكثر شاء يواجه الاقتصاديين اليوم هو سوء استخدام الموارد الطبيعية، فالله عز وجل بارك فى هذه الأرض وجعل فيها أقواتها بحيث تكون ممهدة مهيأة للإنسان تكفيه، فلا يحتاج إلى غيرها متى ما نشط وعمل فيها، ولذلك ما يسمى فى عالم الاقتصاد «بِنُدْرِة المَوارد» وهى فكرة اقتصادية تعبر عن العلاقة بين الرغبات الإنسانية وبين وسائل اشباعها ليس على إطلاقه، فإن السلوك البشرى يعتمد فى كثير من نشاطه على «سوء استخدام الموارد».

ونذكر هنا قول عالم إقتصاد (توماس مالتوس) الذى أطلق نظرية تتصل بالتكاثر السكانى يذكر فيها أن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية فى حين أن الإنتاج الزراعى يزيد وفق متوالية حسابية، وهذا يعنى أنه مع الوقت جزء كبير من سكان الأرض لن يجدوا فوق هذه الأرض غذاء يكفيهم. كما يتضح لنا من نص الآية {وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا 56}، 85 الأعراف، بأن الفساد الذى يضر بحياة الناس على هذه الأرض هو فساد الجماعة لا فساد الأفراد، ذلك أن فساد الجماعة يتحول إلى فساد منتظم ممنهج، وممارس بشكل واسع لينذر بخطر مَاحِق لحياة البشر، أما فساد الأفراد فيبقى فى نطاق ضيق ولا يمثل نظاماً ولا ثقافة، كما لا يمكن أن يسلم منه مجتمع، بالإضافة إلى أن الدولة أو الجماعة باستطاعتها السيطرة عليه ومعالجته.

أيها الأحباب ..

فى هذا الزمان الذى طغت فيه الماديات، المختلفة فيه الأولويات، نصادف يومياً فى مسارِ الحياة مشاهد الصورة المعكوسة التى تجعل الباطِلَ هو الحقّ، والحقّ موضع الشك، فيعم الفساد، ويغلب العباد، وتستمرِئُ الأمةُ أبوابَ الحرام، وطُرقَ الإجرام، والجُرأة على الآثام، فتُشتِّتُ كل مجموع، وتكدِّرُ كل يَنبوع، وتُبيحُ كلَّ ممنوع، مُروَّجَةً بعباراتٍ خَلاَّبة، ومعانِى مُمَوَّهةً كذَّابة، فنعيب الظروف التى وضعناها.

فعلى سبيل المثال يطلب اليهود الألمان من المستشارة الألمانية الاعتراف بدولة فلسطين، وأمريكا تدعى الديمقراطية ولكنها فى دعوى حربها على الإرهاب تضرب بكل المواثيق والعهود عرض الحائط (إتفاقية جنيف) وتستبيح لنفسها ما تحرمه لغيرها.

صورة أخرى فى الفرق بين المجاملة والنفاق فى المعاملة، فبينما تكون المجاملة إظهار إيجابيات الشخص وتحاشى ذكر السلبيات مما يوثق العلاقة ويقرب، نجد المنافق يُحَوِّل تلك السلبيات وببراعة لُغَوِيَّة إلى إيجابيات لنيل مراده من المُتَلَقِّى.

وهاهو الغرب يعمل على تنظيم وتحديد الأسرة فى الشرق، بينما يدعم ويساند الإنجاب فى الغرب.

وكثيرٌ من الناس يعرف المعضلة أو المشكلة ولكن ليس لديه القدرة على حلها أو الحيلة على تجاوزها.

أحبائى .. لا يسعنا فى هذا المحفل العلى بين من تآلفت قلوبهم من أمة السيد العلى، بمناسبة الاحتفال بأصحاب العزم الأكيد والعون السديد والركن الشديد .. حفظاً للعهد وإبراءً للذمة لمن آلت إليه الخلافة من بيت المصطفى ليصبح:

آل بيت المصطفى أهل الحمى

وكل العام وأنتم فى الحمى وإنا لدى الله العظيم سنلتقى

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته