خطابات مولانا الإمام الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني رضي الله عنه

المقطع 11

وصحابة رسول الله من الأنصار كانوا يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها. وقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب أخذ أربعمائة دينار فجعلها فى صرة ثم قال لغلامه: اذهب بها إلى أبى عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة فى البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه فى بعض حاجتك؛ فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالى يا جارية، اذهبى بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان؛ حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى سيدنا عمر فأخبره، ثم أعد سيدنا عمر مثلها لسيدنا معاذ بن جبل وقال لغلامه: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل وتلكأ فى البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه فى بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية اذهبى إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فخرجت امرأة معاذ فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق فى الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها، فرجع الغلام إلى سيدنا عمر فأخبره، فسر بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.

ويقول الإمام القرطبى فى تفسيره لهذه الآية الكريمة:

الإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال، ومن الأمثال السائرة: (والجود بالنفس أقصى غاية الجود) ومن عبارات الصوفية الرشيقة فى حد المحبة: أفضل الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله، ففى الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبى يوم أحد، وكان النبى يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تُشرف يا رسول الله .. ألا يصيبونك .. نحرى دون نحرك، ووقى بيده رسول الله فشُلت يده.

وقال حذيفة العدوى: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لى ومعى شئ من الماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار إلى ابن عمى أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول: آه آه .. فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمى فإذا هو قد مات.

ويقول سيدى أبو يزيد البسطامى: ما غلبنى أحد ما غلبنى شاب من أهل بلخ! قدم علينا حاجاً فقال لى: يا أبا يزيد، ما حد الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنا، وإن فقدنا صبرنا، فقال: هكذا كلاب بلخ عندنا، فقلت: وما حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا آثرنا.

وسئل ذو النون المصرى: ما حد الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت.

وحكى عن أبى الحسن الأنطاكى: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فأطفأوا السراج وجلسوا للطعام؛ فلما رُفع فإذا الطعام كما هو لم يَأكل منه أحد شيئاً؛ إيثاراً لصاحبه على نفسه.

وفى تفسير قوله تعالى ?يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا • ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا? أن الحسنين قد مرضا فعادهما رسول الله وعامة العرب، فنذر الإمام على: أن يصوم لله ثلاثة أيام شكرا، وكذلك الزهراء وجارتها، فألبس الحسنين العافية، وليس عندهم قليل ولا كثير، فانطلق الإمام على إلى شمعون بن حاريا الخيبرى -وكان يهوديا- فاستقرض منه بعضا من الشعير، فقامت الزهراء إلى صاعٍ فطحنته واختبزته، فلما مضى صيامهم الأول وضع بين أيديهم الطعام؛ فأتاهم مسكين، فقال أطعمونى أطعمكم الله، فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا الماء.

فلما كان اليوم الثانى قامت الزهراء إلى صاع فطحنته واختبزته، فوضع الطعام بين أيديهم؛ فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم أطعمونى أطعمكم الله، فأطعموه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلا الماء. فلما كان اليوم الثالث قامت الزهراء إلى الصاع الباقى فطحنته واختبزته، فوضع الطعام بين أيديهم؛ إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، أطعمونى فإنى أسير، فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء.

فلما أوفوا بالنذر هبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك يقرئك السلام وأقرأه ?هل أتى على الإنسان حين من الدهر? إلى قوله ?يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا • ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا • إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا?.

ويعلمنا سيد الخلق أجمعين أن نؤثر ذاته وأهله وعترته وذريته .. فيقول:

(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهلى أحب إليه من أهله وعترتى أحب إليه من عترته وذريتى أحب إليه من ذريته) -أخرجه المتقى الهندى فى كنز العمال.

وعن ابن هشام قال: كنا مع رسول الله وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلى من كل شئ إلا من نفسى، فقال النبى: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) -أخرجه الإمام البخارى وأحمد.

فحقا ..

لَوْلا هَوَاهُمْ فِى الْقُلُوبِ وَفِى الْحَشَا مَا ذَاقَ قَلْبُُ لَذَّةَ الإِيمَانِ

اللهم اجعلنا من المحبين المحبوبين بجاه سيد الأولين والآخرين وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وكل عام وأنتم بخير