لأبيك الفشل. ولأمك الهُبل (1). أنا والله أمين الرسول (2). فسيقصر بك الطول (3). ويفيلك الفول (4). فلتعتبر العقول تأويل ما أقول. أنا آية (5) __________ (1) لأمك الهبل: صنم كان يعبد فى الجاهلية ومعناه إذا كنت منافقا فقد ولدتك أم كافرة فاجرة. (2) لقول النبى صلى الله عليه وسلم: أما أنت يا على: أنت صفى وأمينى ذكره النسائى فى خصائص أمير المؤمنين على بن أبى طالب ص 37 عن زكريا بن يحى. (3) فسيقصر بك الطول: يعنى لن يستوعب عقلك هذا النص ولامعناه. (4) يفيلك الفول: يفل أى يهزم أو يكسر وفل الجيش أى هزمة والمعنى تهزمك الهزيمة والإنتكاسة والفشل. (5) قول الإمام على كرم الله وجهه: أنا .... الخ قال الزرقانى فى شرحه للمواهب اللدنية للقسطلانى: المتردد فى الأحوال المتحول فى الفناء والتلوين ينافى حاله أن يقول أنا ومن رقى إلى مقام البقاء بالله وتصاعد إلى درجات التمكين فلا يضره أن يقول (أنا) - انظر: شرح المواهب اللدنية للزرقانى 6/ 55، 56 ومعنى شرح الزرقانى أن المتمكن من العارفين عندما يقول (أنا) فهو متكلم لا بلسانه ناظر لا بعينه سامع لابأذنه بل هو متكلم بلسان الحق، سامع بسمع الحق، ناظر ببصر الحق كما أخبر الحق تعالى فى الحديث القدسى: وما يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها أخرجه البخارى - 8/ 105 - باب التواضع، وزاد عبد الواحد بن ميمون، عن عروة، عن عائشة عن أحمد والبيهقى، فى الزهد: (وفؤاده الذى يعقل به، ولسانه الذى يتكلم به). ثم يعقب صلى الله عليه وسلم على ذلك قائلاً: فإذا كنت حبيب الله كان هو لسانى القائل فإذا هو الشافع والمشفوع إليه وأنا عدم فى وجوده "
قلت: والأنا مظهر الهوية، والهوية أصلها الذات الإلهية التى تنعدم فى مقابلها سائر الذوات الفاضلة العلوية وهى ذوات الرسل والأنبياء والعارفون على مختلف درجاتهم وأحوالهم. وهذا يعنى أن الحقيقة المحمدية المتمثلة فى (الأنا) أصل مادة كل حقيقة ظهرت، ومظهرها أصل مادة كل حقيقة تكونت وإليه يرجع الأمر من صاحب الأمر حتى يرضى ولا يكون رضاه إلا بعودة ما تفرق منه إليه، فأهل الجمال يجتمعون عند جماله وأهل الجلال يجتمعون عند جلاله، وهو صلى الله عليه وسلم ظاهر عليه بالفعل ما فى قوة استعداده من أنواع الكمالات الذاتية وأصناف الكرامات الصفاتية والأسمائية. لعلى بهذا المدخل أكون قد وصلت مع القارئ الكريم إلى الأنا النوعية التى يدخل تحتها الأنا التحققية ، والأنا التخلقية وهما يندرجان تحت الأنا العلوية أو الإلهية، فالعلوية التحققية التى تخضع لها سائر أنواع الأنا الإلهية {أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكرى}، والتحققية من الذوات الفاضلة تسمى (الأنا النبوية) أو (الأنا المحمدية) مثل: {وأنا أول المسلمين}، {فأنا أول العابدين}. ثم تليها (أنا) الرسل والرسالات و أفاضل المخلوقات. ويجوز لهذه (الأنا) التعريف بحقيقتها ووظيفتها ومهمتها دون زهو أو فخار كقوله صلى الله عليه وسلم أنا رحمة مهداة ، أنا سيد ولد آدم ، أنا حبيب الله ولا فخر ، ومن أخلاقها البراءة من الحول والقوة كقوله صلى الله عليه وسلم: أنا بك وإليك . أما (الأنا السفلية) وإن كان لها وجود حقيقى فليس لها تحقق ولا تخلق إنما هى صاحبة دعاوى عريضة كاذبة تتقلب فى ظلمات الجهالة التى أصيب بها من أخطأ ذلك النور الذى رش الله على عباده أزلا فيقول قوله إبليس: أنا خير منه ، أو قولة فرعون: أنا ربكم الأعلى ، أو قولة النمروذ: أنا أحيى وأميت ، وهذه فى سفليتها تراها قد أنكرت حقيقتها فلا تعجب إن أنكرت غيرها إذ هى قد عميت بزخرف الحياة الدنيا وزينتها وتطلعت إلى مناصبها الزائلة وهذه تسمى العزة بالإثم وإذا كانت العزة بالإثم مذمومة فإن العزة بالله ورسوله محمودة فتكون العزة بالله ورسوله هى الأنا العليا، والعزة بالإثم هى السفلية. فافهم المعانى من المبانى تبلغ الأمانى. - أنظر: زبد خلاصة التصوف للعز بن عبد السلام ص 20، وما بعدها، جواهر الإطلاع ودرر الإنتفاع على متن الأصفهانى أبى شجاع ص 160.